» خلود أهل النار  » مسائل الشيخ ملا مهدي   » علم الله بالمعلومات  » رسالة في جواب السيد شريف   » شرح حديث الحقيقة   » رسالة في جواب السيد ابي‌الحسن الجيلاني   » رسالة في جواب السيد ابي‌القاسم اللاهيجاني  » رسالة جعفر النواب   » القصيدة الرثائية السادسة   » رسالة في جواب السيد حسن الخراساني  » رسالة في شرح حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه   » رسالة مختصرة في شرح احوال المصنف (اع‌) في جواب الملا علي الرشتي   » الرسالة التوبلية  » رسالة السيد أسماعيل   » رسالة في شرح حديث ورق الاس  » موكب أحباب أهل البيت عليهم السلام   » الخطبة الثالثةيوم الجمعة  » الخطبة الثانية  » الخطبة الخامسةخطبة النكاح  » الخطبة الرابعةفي الموعظة  » الخطبة السادسة في عيد الفطر المبارك  » خطبة في الموعظة والإرشاد  » خطبة في عيد الأضحى   » من الرسالة الرشتية  » في انواع الدنس  » الرسالة الخطابية   » إجازة الشيخ أحمد الاحسائي (قدّس سرّه) للشيخ محمد إبراهيم الكرباسي   » البطيخ  » البصل  » بطاقات التهنئة افتتاح مكتبة الامام امير المؤمنين عليه السلام في العباسية   » في طب النبي صلى الله عليه وآله   » لواجهة الموقع  » المختار من شعر مؤيد العطار   » عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل : وآويناهما إلى ربوة ذات قرار معين قال : الربوة : نجف الكوفة ، والمعين : الفرات .   » قال رسـول الله صلى الله عليه وآلـه : ان اللـه تبارك وتعالى اختار من كل شئء اربعـة إلى ان قال : واختار من البلدان اربعة فقال تعالى : والتين والـزيتـون وطـور سينين وهـذا البلد الامين فالتين المدينة والزيتون بيت المقدس ، وطور سينين الكـوفـة ، وهـذا البلد مكة  » قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : أول بقعة عبدالله عليها ظهر الكوفة لما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم سجدوا على ظهر الكوفة  » عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الله عرض ولا يتنا على أهل الامصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة  » قال عليه السلام: سمعت رسول الله عليه السلام يقول : كوفان يرد أولها على آخرها يحشر من ظهرها سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب   » عن أبي عبدالله عليه السلام قال : أما إنه ليس من بلد من البلدان أكثر محبا لنا من أهل الكوفة ثم هذه العصابة خاصة ، إن الله هداكم لامر جهله الناس ، أحببتمونا وأبغضنا الناس ، وصد قتمونا وكذبنا الناس ، واتبعتمونا وخالفنا الناس ، فجعل الله محياكم محيانا وممات  » عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : مسجد كوفان روضة من رياض الجنة ، صلى فيه ألف نبي وسبعون نبيا ، وميمنته رحمة وميسرته مكرمة ، فيه عصا موسى وشجرة يقطين وخاتم سليمان ، ومنه فار التنور ونجرت السفينة ، وهي صرة بابل ومجمع الأنبياء 
بلوك حاله الطقس
النجف
27  11°
المتواجدون الان

عدد الزوار الحالى 1099
عدد الزوار اليوم 1200
عدد الزوار امس 1415
عدد الزوار الكلى 433728
عدد الزوار الشهر الماضى 32387
عدد الزوار العام الماضى 278392

اكبر تواجد بالموقع

اكبر عدد تواجد كان 3478 بتاريخ 2010-08-18

ماريك بالتصميم الجدي

علي علي

اوقات الصلاة
//
الرسالة التوبلية
تم نشر الخبر فى السبت 27 يونيو 2009 الساعة 08:00 صباحا
الرسالة التوبلية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ولي ما أولى من نعمه بالجود والكرم ومالك ما أعطى من سأله من النعم وصلى الله على نبيه مصباح الظلم وعلى آله سادات الأمم .
وبعد ، فيقول العبد المسكين قليل البضاعة كثير الإضاعة أحمد بن زين الدين الأحسائي كنت في تشويش بالٍ بمعاناة حل وارتحال واختلال أحوال وللقلب جواذب من كل جانب كلّ يأخذه بوجهه منه ويصرفه عنه إذ وردت عليَّ مسائل ليس في الأرض لها جواب كما يشاء السائل بها إلا ضدّ الصواب وجواب أدناها من وراء ألف حجاب صدرت عن الحبر المقدس والطيب المغرس الشيخ العلي الشيخ عبد العلي ابن المرحوم الشيخ علي التوبلي ، أخذه الله بيده إلى ما يتمنى وزاده الله بمدده بما يرضى ، طلب فيها ما ليس عندي ولا يكون عند كثير ممن بعدي ولقد ألقى الخطاب من ليس معه كلّ الجواب لأنه ظنّ ماء وهو سراب ولكن الميسور لا يسقط بالمعسور ولله عاقبة الأمور ، وسميت هذه الأجوبة :
(((بلوامع الوسائل في أجوبة جوامع المسائل))) .
قال أيده الله : بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين .
أقول : وأنا الفقير إلى رحمة ربه الملك المجيب عبد علي بن علي بن محمد بن علي بن أحمد الخطيب ، إني كنت في ريعان الشباب وصفوة عيش من الأحباب إلى أن آتاني ما لم أكن في الحساب ، كنت في زهر الدنيا ورياضها سالكا شعبها وإرضاؤها مستمرة على شهواتها وأعراضها حتى قابلتني بصدورها وأعراضها وبلتني بسقمها وأمراضها فأخذت في طلب العلوم والنظر في ما رأيته مرسوم حتى وفقني الله لتعلم لفظ كتابة المجيد ثم النحو والتصريف واللغة وعلم التجويد وقرأت المعاني الظاهرة والبيان ثم علم الحساب وعلم الميزان وقرأت أصول الفقه وأصول الكلام والفقه والتفسير وأخبار النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليهم أفضل صلوات الله والسلام وسافرت الخط وقرأت في الهيئة ونظرت في كتب الطب لشدة الحاجة إلى ذلك ، وظللت أخترق تلك الشعب والمسالك فقلت يا نفسي أين قوله تعالى { فاعلم أنه لا إله إلا الله } وقوله تعالى { قل انظروا في خلق السموات والأرض } { أفلا يتدبرون القرآن } { إن في ذلك لآيات لأولي الألباب } { وجعلنا الشمس عليه دليلا } { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } وأين شكر المنعم وأين التكاليف وكيف طريقة ذلك وطفقت آخذ من هنا وقرأت قوله تعالى { أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } فأول درجة هي المجادلة وهي أسفل الدرجات وأقل الدلالات فامتطت كاهلها وغاربها وسرحت بريد نظري في مشارقها ومغاربها وجعلت أقلب نظري في شموسها وبدورها وكواكبها فلم يجدني من علم المجادلة في الكلام سوى معرفة اصطلاح أهل الكلام حتى إذا هجم الليل وانسدل الظلام وهجعت عيون الأنام قدمت على المعرفة أشد أقدام وقمت على الساق والأقدام فلم أهتدِ لذلك سبيلا ولم أعِ حجة ولا دليلا لكني علمت أن هذه المعارف بعضها ضروري وبعضها كسبي ، والكسبي انقسم إلى عقلي وإلى تسليمي فإن على الخطب فالضروري الذي ألهمني الله إياه هو كون إن لي صانعا وأنه لا كالمصنوع وكل مصنوع له صانع والصانع غني عن المصنوعات ، وكل مصنوع محتاج إلى مدبره وهو عدل غني عن الظلم وقد علمت أن من العدالة أن لا يكلفني بشيء ولم يصفه لي ولم يرسل إلى من يعلمني بما يريده مني وذلك هو المكسبي العقلي المتعضد بالتواتر النقلي المورث للعلم القطعي وقد وصلني أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ادعى النبوة وأظهر المعجز على يده وكان من أعظم آياته القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وقد عجز الناس بإتيان صورة من مثله فعلمت أنه رمز العزيز المجيد ، فوجبت عليَّ قبوله ، وقد علمت أن طاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم طاعة الله ومعصيته معصية الله لقوله تعالى { من يطع الرسول فقد أطاع الله } إلى غير ذلك ، فوجب عليَّ قبول كلام الرسول واتباع أمره ونهيه ثم أيضا باقي العقائد كسبية تسليمية فكلما أتى عنه فهو مقبول ولكني حفظت شيئا وغابت عني أشياءً وهو أن بالقرآن بطونا وللبطون بطون وكذلك أن حديثهم صعب مستصعب ، فلم أهتد لمعرفة تلك المعرفة وقد قصرت على أدنى مراقي تلك المرتبة وإن كانت كالشمس المنيرة في الظهور عند أهلها ولذلك صحَّ أن يقال ( قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم حتى إذا هدت والحمامة وصاح الديك ونعق الغراب ونشرت أجنحة الطاووس وانشق الفجر ولاح الضياء ) بانت ضياء الشعاع مصباح إحدى القرى الظاهرة التي هي المنازل في السير بيني وبين القرى التي بارك الله فيها فقلت لعلي أن أسيِّر فيها ليالي وأياما أمنا فجست خلال تلك الديار فتصدى لي من أدرك تلك الشموس بقوة بصره الذي هو عين بصيرته فأجابني بلسان حاله الذي هو أقوى من لسان المقال عند ذوي الكمال والجلال بأنى تأخذ خليلا لو سألني أحياء الموتى لأجبته فحدثني نفسي بأن أطلب تحقيق الخلة ليطمئن بها قلبي فأتيته سائلا أرني كيف تحيي الموتى ، { قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربع من الطير فصرهنّ إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهنَّ يأتينك سعيا } ليت شعري ما هذه الطيور الأربعة وما هذه الجبال العشرة ، فلما علمت أن هنا ما لم يهتد إليه سبيلا زاد اشتياقي لهاتيك الديار وتأسفت على ما مضى من الأزمنة والأعصار فلا رمته فظهر لي منه بعض الظهور بحسب قابليتي التي تعلقت وتخلّقت بالكثافة والقصور فلم أزل في ذلك أقول للعين يا بشراك قط طلعت شمس النهار وغابت عنك أكدار واغتنموا الفرص فإنها تمر مر السحاب حتى سمعت ما ليت قد صمَّ سمعي عنه وهو داعي الفراق ، نسأل الله ساعات الاجتماع والتلاق فقلت تزود من شميمة عراعر نجد فما بعد العشية من عراعر وخاطبت أمكنة الوصال في الليالي والبكور والآصال أين سكانك إلى أين هم أحجاز يمَّموها أم شيئا ما قضوا بعد التداني وغدت ظلمة الليل بنا عاما فعاما وتبقى كل مشتاقا لهم يسأل الجندل عنهم والرّغا ما انقضى العمر ولم أبلغ به حاجة تدفع ضررا و أواما وقد خلفني في قلبي النار ولما سمعت من تلك الأخبار وقد خفي عليَّ الأمور وقد رجوت كشفها من ذي القابلية العظيمة والدرة المكنونة اليتيمة والمرآة الصافية الكريمة مشيد دعائم الإسلام الدين والحجة علينا من الحجة على العالمين الشيخ أحمد بن المقدس الشيخ زين الدين مدَّ الله ظلاله وأسبل عليه نواله وغمسه في بحر أفضاله ، فلما عزمت وحيل بيني وبين عزمي وعلمت أن المدبر غيري آتيته بمسائل كالوسائل متضرعا مستصرخا مستنصرا وسائل هذا آخر ما قدم أمام مسائله من كلامه زيِّد في مقامه وبلغه ربه أعلى مرامه واعلم أيها الأخ الناظر في هذه الكلمات إني على ما أنا فيه من القصور عن تلك المسائل لا يمكنني إرخاء عنان القلم في هذا الميدان لما يستلزم ذلك من كشف ما لا يجوز كشفه ولكني من ما علمت من حاله ومقاله بلغه الله أعلى مناله أنه يطلب الإشارة والاختصار وذلك أحب إليه من الإطالة والإظهار فكفاني بفهمه ومراده المؤنة وأمدني من إدراكه للإشارة الخفية بالمعونة فإذا كان ما يريد منه أجزاء الوجوه الستة أجريتها في الظاهر من العبارة والباطن من الإشارة البتة ليتم لكل أهل فنّ من ذلك مطلبهم { وليعلم كل أناس مشربهم } ولأن أريد أن أنبّه على بعض ما تقدم من الكلمات ببعض التلويح يقوم لأهل ذلك مقام التصريح إذ قد يحتاج غليها فيما بعد قوله ، فأول درجة هي المجادلة وهي أسفل الدرجات وأقل الدلالات في قوله تعالى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن } اعلم أن الله علم خلقه كما خلقهم إنهم ثلاث طبقات فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو إلى سبيله أهل كل قسم بما عليه مما آتاهم الله وهم أولوا الأفئدة وأرباب القلوب وأصحاب العلوم والسبيل المدعو إليه سبيل الله إلى عبادته حيث أعطيهم من كل ما سألوه في المداد الأول في الدواة الأولى والسائلون الواقفون ببابه والفقراء اللائذون بجنابه هنالك هم ألوا الأفئدة الذين يدعوهم بالحكمة والذين أعطاهم من كل ما سألوه في القلم الأول وهم السائلون الواقفون ببابه الفقراء اللائذون بجنابه هنالك هم أرباب القلوب الذين يدعون بالموعظة الحسنة والسائلون الواقفون ببابه الفقراء اللائذون بجنابه الذين آتاهم من كل ما سألوه في اللوح وفي حجاب الياقوت وفي آخر أكوارهم وأشكالهم وأجسامهم وهم أصحاب العلوم وأهل الآثار والرسوم المدعوّون بالمجادلة بالتي هي أحسن وسبيل الله إلى عبادته هو الوجود في تنزلاته وهذا السبيل هو سبيل العباد إلى ربهم بما قدر لهم من السير في منازله ومقاماته وأشاروا إلى أول النازل بقوله عليه السلام ( نحن صنائع الله والخلق بعد صنائع لنا ) وقوله علي عليه السلام ( وسرّ البسملة في الباء وسر الباء في النقطة وأنا النقطة تحت الباء ) كما رواه في مشارق الأنوار وقال صلى الله عليه وآله وسلم ( ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم ) كما ابن أبي جمهور في المجلي ، وإلى الثاني الصاعد كما في مختصر بصائر سعد للشيخ حسن بن سليمان الحلي ( عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم . الآية ، فقال يا جابر أتدري ما سبيل الله قلت لا والله إلا إذا سمعت منك فقال القتل في سبيل علي عليه السلام وذريته فمن قتل في ولايته قتل في سبيل الله وليس أحد يؤمن بهذه الآية إلى وله قتلة وميتة إنه من قبل فينشر حتى يموت ومن يموت ينشر حتى يقتل ،انتهى .
والقتل الأول ليس بالسيف وإنما هو بالولاية ومن كان كذلك لابد له من القتل بالسيف ومن الموت فمن قتل في الدنيا بعث مع الصاحب عليه السلام وكان معه حتى يموت ويعيش بالضعف من عمره في الدنيا ومن مات في الدنيا بعث معه حتى يقتل بين يديه وإنما جرى عليه الأمران لأنه محض الإيمان محض ، وماحض الإيمان إن كان من أولي الأفئدة فهو الممتحن قلبه للإيمان كما في الروايات ، ومن كان من أرباب القلوب فقد محض الإيمان لقينه في مقامه ولتسليمه بما وراء ذلك فهم من فهم وأيضا الإشارة إلى الثالث الصاعد بقوله عليه السلام في الدعاء ( تدلج بين يدي المدلج من خلقك ) وقول علي عليه السلام ( ونحن الأعراف الذين لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا ) وكما روي عنهم عليهم السلام في تفسير قوله تعالى ( روي عنهم عليهم السلام في تفسير قوله وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير ) الآية ، إنهم تلك القرى الظاهرة التي قدر فيها السير إلى الله وهذا أحد معنيي الروايتين في تفسير الآية ، فتنزلات الوجود يعني إدبار العقل من الله وبالله هو سبيل الله إلى خلقه فيما سألوه بما آتاهم وترقيات مراتب الوجود يعني إقبال العقل إلى الله بالله من الله بين يديه رفيع الدرجات ، كل درجة تكمل فيها ثمرة تجلي صفته وظهور اسم من صفاته وأسماؤه عز وجل تنزل إلى ما تحتها بها فيها وتصعد إلى ما فوقا بها عندها لا فيها فأسفل الدرجات درجة أصحاب العلوم أعلاها الصور المجردة عن المادة وأدناها عالم الأجسام والشهادة لكنها درجة كثيرة ، الأخطار ولا يقر لأهلها قرار لا يزالون في الظلمة في الليل وتشتد الظلمة عليهم في النهار يجمعهم عشرون طورا في معارفهم على اختلاف منازلهم وعوارفهم ، أعلاهم أصحاب الصور المجردة وأدناهم أصحاب الترب المؤصدة وفي تلك العشرين المقام حيّات وعقارب وأهوال وظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ومن قصد هدايتهم فهو كالناعق بما لا يسمع ولا يفهم الصوت فإذا أراد الله نجاه من يشاء من أولئك أخذ بناصيته وفتح له باب هدايته وهما قسمان من طابق قوله فعله وعمله قلبه تحقق العلم في صدره وعلامته دوال الخشية من الله ، ( قال الصادق عليه السلام إذا تحقق العلم في الصدر خاف ومن خاف هرب ومن هرب نجا هي قال تعالى { إنما يخشى الله من عباده العلماء } وفي الدعاء لا علم إلا خشيتك ولا حكم إلا الإيمان بك ليس لمن لم يخشك علم ولا لمن لم يؤمن بك حكم ، والقسم الثاني من حصلت له تلك الصورة ولم تعضد بما ذكر من مقتضيها وأولئك لا يكادون يثبتون عليها كما قال عليه السلام ( العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ) ، ولو ثبتت لقليل شاذ ولكنها موقوفة الثبوت على الطينة وهي تتحقق بكمال اكتساب العبد لما هو عليه فالسابقة تثبت بالخاتمة كالحبة تزرع فتورق فتحمل بالحبة فافهم .
وأما باقي الأقسام من العشرين فلهم دلالة ضعيفة تكفيهم بنسبتهم ما لم يتجاوزوا فيها توهموا الألفاظ التي بنا عليها التوحيد والإيمان والإسلام وهؤلاء لا يجوز أن تعرض عليهم الشبهة ولا يجوز لهم الخوض ولا التفتيش لأنهم يتوهمون ما يناسب الشبهة وترسخ في نفوسهم ولا يفهمون ما يجانس الجواب فلا يكادون يدركونه وإلى مثلهم أشار عليهم السلام بقوله (همج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، انتهى .
ولذا تراهم يميلون حيث ما مالت الريح فدرجتهم أسفل الدرجات ودلالاتهم أقل الدلالات وكذلك أصحاب الصور المجردة عن المادة فإنهم وإن كانوا أقوى من هؤلاء إلا أنهم يشيرون إلى شيء متوهم ولا يعلمون أنه مخلوق ومثلهم مردود إليهم ، وأما أرباب القلوب المدعوون بالموعظة الحسنة فإن روح اليقين أذهب عنهم ظلمة الريب والشك بنوره ، قال الصادق عليه السلام ( وإذا أشرق نور اليقين في القلب رجا وإذا رجا طلب وإذا طلب وجد ) انتهى ، ونور اليقين هو المعاني يعني معاني العلم بالله المجردة عن الصورة والمادة والقلب ملك ووزيره نور العقل ووجهه وهو في الصدر الذي هو العلم كالنقطة في الدائرة عليها وهؤلاء تغلب عليهم آثار الفضل فيغلب عليهم الرجاء لسلامتهم من مسمى الكثرة لأن المعاني لا تشخص فيها بهيئات تميزها عند من دونها وفي ذاتها ولأجل ذلك يقال للعلم أنه في اللوح المحفوظ يعني الألف المبسوط والكتاب المسطور إشارة إلى الكثرة ، ويقال للعقل أنه القلم والألف القائم والطور إشارة إلى وحدية بالنسبة إلى الكثرة اللوح إلا أنّ القلم واللوح من الوجود المقيد ويجمع كونهما الدهر فافهم .
ثم لما كان العقل ليس له اقتضاء لغير الطاعة لقربه من الخير والوحدة فهو عند نفسه لا يشهد له وجودا في كل أطواره إلا بربه تعالى لا يحتاج فيما لم يستبنه إلى المجادلة بل إذا بين له أن الأمر دائر بين مقتضى نفسه وبين ما طلب غيره اختار ما طلب غيره لأنه لم يرَ بوحدته إلا ربه فكان الله بذلك له أقرب إليه من كل شيء بل كل حركاته وسكناته في كل أطواره بالله لأن الله تعالى قال ( وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلي منك ) الحديث .
وقال تعالى ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ويد التي يبطش بها ) الحديث.
فالموعظة الحسنة هي فتح باب يقينه فما طلبه لأنه أبدا لا يقتضي إلى الأرجح ومثال الموعظة الحسنة في الدليل لأرباب العقول ، قوله تعالى { أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أظل ممن هو في شقاق بعيد } فإذا دار الأمر بين ما يجوز أن يكون من الله وإن يكون من غيره فرضا وهو طبق ما في العقل عند نفسه والعقل الله والله مع العقل كما قلنا سابقا حصل الأرجح وجاء الحق وزهق الباطل فالعقل يطلب ما فيه النجاة وذلك لا يخفى على كل من قطع الاعتبار من نفسه لأنه عاقل فافهم وتصرف في هذه القواعد للتبصرة فإني وضعتها للإرشاد والتذكرة إن كنت علامة حصل لك منتهى المطلب .
وأما أولوا الأفئدة فهم الذين كشفوا سبحات الجلال التي أولها وآخرها أنفسهم ووجوداتهم من غير إشارة بل شأنهم تفقد الإشارة ومحوها حتى صلاحهم المعلوم وهؤلاء أهل المحبة ، قال الصادق عليه السلام ( وإذا انجلى ضياء المعرفة في الفؤاد أحب وإذا أحب لم يؤثر ما سوى الله عليه ، انتهى .
وشرط ذلك منهم محو المحبة فإنها حجاب كما روى عنه عليه السلام فهؤلاء يدعون بالحكمة وهي المعرفة وهي التي ضدّها العام الإنكار ولا تقابل بالشك والجهل إلا على سبيل المجاز أو الحقيقة الإضافية والعلم يقابله الجهل واليقين يقابله الشك وهؤلاء أولوا الأفئدة ينظرون بنور الله قال عليه السلام ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) وهو النور الذي خلق منه وذلك النظر هو التوسم وصاحبه المتوسم { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } وبداية نظرهم بتلك العين من مثل سم الإبرة ممتدا على ساقين متساويين وقاعدته قوس على هيئة قطاع أصغر فيمتد الساقان وتعظم درجات ذلك القوس حتى يتجاوز النهاية فإذا خرق الحجاب وأخذ في اللانهاية استدارت كهيئة الدائرة وأن يكون ذلك السم الذي نظر منه نقطة لها فتكون تلك النقطة ممتدة صاعدة في ذاتها لا إلى جهة سواها من حيث ذاتها فتكون تلك الدائرة كا الكرة على تلك الممتدة كالمحور باستدارتها عليها فتكون الدائرة هي عين النقطة والكرة نفس محورها ظاهرها في باطنها وباطنها في ظاهرها وتلك الحقيقة لا سواها كما رواه في معاني الأخبار بإسناده قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التوحيد ظاهره في باطنه وباطنه في ظاهره ، ظاهره موصوف لا يرى وباطنه موجود لا يخفى ) الحديث ، فإذا تأمل الناظر بعين البصيرة ظهر له أن أسفل الدرجات وأقل تلك الدلالات درجة أصحاب المجادلة بالتي هي أحسن كما صرح به في كلامه هذا إذا تحقق العلم في الصدور ، وأما إذا لم يتحقق بعدم إجابته العمل له بل مجرد المجادلة فلا دلالة في ذلك بحال ولا معرفة له بل إنما اكتسب جهلا بجهل وإنما أطلقت عيان القلم هنا على خلاف ما وعدت لما يترتب على هذه المباحث ، ولأنها كالأصل لبعض ما يأتي وقوله حتى إذا هدرت الحمامة وصاح الديك ونعق الغراب ونشرت أجنحة الطاووس ، الحمامة في الإنسان الفلكي فلك القمر في جوزهر مظهر ينبوعه وفي الإنسان الآفاقي ريح الصبا وفي الإنسان الآدمي مادة البلغمي التي ينبوعها من الرئة وفي الإنسان الفلسفي الغربية والعبارة عما ذكر أن الحمامة قمر ميكائيل الغربي عند ريح الصبا من الرئة بباطن المريخ والديك شمس هواء شمس هواء إسرافيل عند ريح الجنوب الثائرة من كبد الفتى الشرقي والغراب أشعة زحل بمرّة عزرائيل عند ريح الشمال الساكنة من طحال الطلق الذي أزيل عنه ريش الغراب وأجنحة الطاووس تكميل جبرائيل ربنا الدبور الطائرة من المرة الصفراء للفتى الكوشي بظاهر المريخ وذلك عند ابتداء اعتدال المزاج بحصول الطبيعة الخامسة من الطبائع الأربع إذا اعتدلت ، قال علي عليه السلام وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم والعمل فقد شابهت أوائل جواهر عللها فإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد ) انتهى ، والسبع الشداد زحل والمشتري فإذا ذهب ظاهر المشتري عن زحل ، قال الرضا عليه السلام ( ما بعث الله نبيا إلى صاحب مرة سوداء صافية ) ، وأما المريخ فقالوا الحديد باطنه فضة وظاهره ذهب وقال تعالى { باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب } يعني باب السور المظروب ، قال علي عليه السلام ( وأنا قرن من حديد ) وأما الشمس فتفيض على زحل من ذات العقل نورا وعلى القمر من صفات العقل كذلك وعلى المشتري من نور ذات اللوح والكرسي وعلى الكاتب من صفاته وعلى المريخ من نور ذات الطبيعة وعلى المرآة من صفاته فإذا اعتدلت في الوزن والصفة كانت عنها طبيعة خامسة وهي الاعتدال الذي أشار إليه علي عليه السلام باعتدال المزاج .

قوله أسعده الله بمدده : وانشق الفجر ولا الضياء بأن ضياء شعاع مصباح إحدى القرى الظاهرة التي هي المنازل في السير بيني وبين القرى التي بارك الله فيها ، فقلت لعلي أسير فيها ليالي وأيّاما آمنا ، انشقاق الفجر ظهور الحال والقرى الظاهرة هم المتعلمون من العلماء كما قال الصادق عليه السلام ( نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون ) وهذا الاستدلال مبني على رواية ، إن القرى التي بارك الله فيها هم الأئمة عليه السلام ، ويريد بإحدى القرى السراب الذي ظنه ماءا (( اللهم لا تؤاخذني بما يقلون واجعلني خيرا مما يظنون واغفرلي ما لا يعلمون )) .
وقوله أيده الله : حتى سمعت ما يا ليت قد صمَّ سمعي عنه وهو داعي الفراق ...الخ
وهو ارتحالنا من قريتهم المحسوسة من الأسواق توبلي إلى المعمورة المسمى بنّي بتشديد النون تابع بلاد القديم والكل من أوال حرسها الله من الزوال في المبدأ والمآل .
قال أطال الله بقائه وأشهده لقائه في آخرته ودنياه : فالأولي أني مؤمل من الجناب الأحمدي أن يبين لنا اختلاف الأقوال في التعبيرات من الباطن والظاهر وكلام الصوفية المنهي عن اتباعهم وكلام أهل الحق المأمور باقتفائهم وأن يحبّر لنا عبارة جامعة بألفاظ وجيزة يؤخذ منها صنعة المكتوم من كونه شجر إلى كونه حجر إلى كونه إنسانا كاملا ، والعالم العلوي والسفلي في الإنسان الكامل والعالم الصغير الإنساني بحيث لو وقف عليها صرفها أهل الظاهر لظاهرهم وأهل الباطن لباطنهم وأهل التأويل لتأويلهم على حسب التفاسير التي فهمناها منكم وهي الظاهر وظاهر الظاهر والباطن وباطن الباطن والتأويل وباطن التأويل بحيث أنه يكمل فيه الصنعة وتولد الإنسان وقواه وأطواره والعالم الزماني والعالم الدهري والعالم السرمدي والعالم البرزخي والعالم الحشري وتقابل العقل والجهل ، وأول المخلوقات بآخرها والمركز الأرضي بالمحدد السمائي وسكان الأفلاك بسكان الأرضين وما بينهم وتخرج لنا ما يماثلها في الإنسان ، هذه آخر المسألة من المسائل الثمان التي هي كأبواب الجنان وفي هذا العدد إشارة إلى قوله تعالى { مدهامتان } وفي ذلك ولذلك يتولد الإنسان واعلم أنه سلمه الله بني سؤاله بظاهره على أمر متعذر لأن هذا المعنى الذي يريد من تخبير العبارة وإنها تقيد تلك الجهات ، ألست لا يكون إلا بالعبارة الظاهرة وهي تفيد كل أهل لسان مرادهم وليس على ظاهره لأنه لا يكون في عبارة إمام معصوم وغير المعصوم لا يطلب منه هذا فلا بد من صرف عبارته على ظاهرها ، وإن المراد منها ما سماه منه وهي المبالغة في الكتمان عمن ليس ديدنه الكتمان ، والذي يفيد تفصيل سؤاله في مقابله كل عالم بضده هو اختلاف العبارات لأن كل مقام لا يظهر بيان مقابلته لضدّه إلا بما يناسبه من
العبارة والبيان فعالم الغيب لا يظهره إلا للإشارة لأن البيان يستره وعالم الشهادة على العكس مثلا الإرض فإن أبقيتها على هذه العبارة حوت كل معنى يراد منها لكن لا يفهمه من يريد المقابلة بين الأشياء لأن مراد ذلك أن يعرف الأرض في ظاهر العالم الكبير وباطنه والعالم العلوي والسفلي وكذلك الآدمي والفلسفي وغير ذلك بأن يقام مثلا الأرض في ظاهر العالم الكبير المعروفه وفي باطنه في الدرجات ظاهر السماوات والكرسي بل وباطنها وفي الدركات أرض العادات والطبيعة والشهوات والطغيان والإلحاد وفي العالم السرمدي أرض القابليات الموات وفي الإنسان في ظاهره جسده وفي باطنه نفسه وفي الفلسفي كليل الغلبة واللجسد الحديد بل وبلاد مصر بالنسبة إلى فارش وغير ذلك فأين يأخذ من لفظ الأرض كل معنى من مقامه ممن يطلب التفصيل شتان بين مشرق ومغرب ولكن الجمع بين الحقين أن يوضع كل شيء في موضعه بلسان أهله وتعرف المقابلة بأن أقول الأرض في هذا المقام كذا وفي ذلك المقام كذا بعبارة عليها غبار لحفظ الأسرار وهو عين إرادته قالوا عليهم السلام ما كل ما يعلم يقال ولا كل ما يقال حان وقته ولا كل ما حن وقته حضر أهله انتهى ، وليس على كشف على ما لا يجوز كشفه وإن اقتضى السؤال ذلك إلا بالتلويح ولذا قالوا عليهم السلام عليكم أن تسألوا وليس علينا أن نجيب وقال الشاعر :
ومستخبر عن سر ليلى أجبته بعمياء من ليلى بلا تعيين
يقولون خبرنا فأنت أمينـها وما أنا إن خبرتكم بأمين
ولكن تحتاج أيها الناظر إلى زيادة بعض الكلمات كالمقدمة مضافة إلى ما سبق تستعين بها على تقريب البعيد وتسهيل كل شديد اعلم أيدك الله أن السرمد حيث نطقته نريد به ظرف عالم الأمر في مرتيه الأربعة بل الخمس وعالم المشيئة والإرادة والإبداع وهو بحر الوجود ومغرس الشجرة الكلية وصبح الأزل والنقطة المجللة بالسر المجلل بالسر المجلل بالسر والنفَس الرحماني بفتح الفاء الساري في كل شيء والسحاب المزجي والسحاب المتراكم والأرض الجرز والزيت المضئ والأرض الميتة وغير ذلك وإذا اطلق الدهر فالمراد به ظرف المجردات من الموجود المقيد وهو القول والأرواح والنفوس والطبائع الكلية والمواد الدهرية الكورية ويقال لهذا المقام وأهله الجيروت والملكوت فالعقول بل والأرواح على حال هي الجبروت والباقي هي الملكوت والحق إن عالم الجبروت هو عالم العقول والملكوت هي عالم النفوس أما الأرواح فهي برزخ بين العالمين إن أضيفت مع الأول كانت مع الثاني وإن أضيفت مع الثاني كانت من الأول وأما الزمان فهو ظرف الأجسام وعالم الشهادة والارتسام أولها جسم الكل ومحدد الجهات وآخرها الأرض المعروفة وأما عالم المثال فهو برزخ بين العالمين واقف على حدود الزمان وهو مقابل للدهر بوجهه ومسند ظهره إلى الزمان ثم اعلم أن عالم الشهادة إذا لطف وشفّ وألقى عنه ما كثف لطف زمانه فإذا كان كذلك أتخذه الدهر أخاً وصاحباً البلد للبلد والسكان للسكان قال تعالى ((فإن تابوا أو قاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين )) ثم اعلم أن السموات في الإنسان الكبير هذه السّبع ولها نفوس ، كل نفس من جنس طبيعتها خلق فلكها وألوانها على حسب طبايعها وإن لم تبدوا في ظاهرها لبساطتها تبدو في مقتضاها ونهايات أشعتها وأفعالها في المولدات الثلاث والاختلاف في ألوانها وجودا وعدما (أو وجودا) باختلاف مقامات المختلفين وأنظارهم وأغراضهم وهي في الإنسان الآدمي ، عقله وعلمه ووهمه ووجوده وخياله وفكره وحياته كل منها كمثل ما يقابله في ذاته وفعله وفي لونه وفي مكانه من الإنسان وفي فلك كلّ من كلّ ، وفي الإنسان الفلسفي يخرج السابع مع السادس دفعة فتنزيل السادس يعني ظاهره لأن باطنه يتحدد بالسابع ثم تعمد إلى الفلك الخامس فتظهره بإصعاده وإنزاله أسبوعا ، ليكون مع الأول متحدّا بل هو الثاني أيضا ثم يستخرج الرابع بالثالث ، وتطهّر الأرض بالخامس ، وأما العالم الحشري فهو تعلق الأرواح بالأجسام بعد تآلفها بعد أن كانت متفرقة .
والآن نشرع في المقصود وعلى سبيل الاختصار والاقتصار مازجين للعبارة بين التصريح والإشارة بما يحصل منه المراد على غير الطريقة المطلوبة ظاهراً لأنا إن سلكنا عبارة كما قالها على ظاهرها سلّمه الله خفي على أكثر الناظرين حبل المقاصد وإن شرحنا كل شيء مبينا استلزم بيان ما لا يجوز بيانه ، إما من جهة كشف السر أو من جهة تعمية المكشوف وبدون الإشارة لأنّ الغيب يتعمى بالعبارة الظاهرة ، وعلى كلّ تقدير فنتكلّم على ما يريد كما نريد والله على كل شيء شهيد .
قال سلمه الله : أن يبين اختلاف الأقوال والتعبيرات من الباطن والظاهر ؟
أقول : اعلم أن الله سبحانه خلق الخلق على توحيده وكتب في الإنسان كل ما أراد منه ، فظهر فيه من جهة خالقه ما أراد منه ومن جهته ما هو عليه وركبّ له من جهته سبحانه عقلا في جبلّته ، وذلك العقل يعرف به أوايل الأشياء ولكنه كالبدو للعقل المكتسب المسموع وذلك السموع على حسب ما يتقوى به فكانت العلماء أصحاب العقل المسموع ، ومسموعهم مستفاد من قواعد العلوم التي يتداولونها ولا ريب أن كلّ من تداول العلوم استفاد ذكاء وصفاءً ، فمن نظر في الكتاب والسنة وفي العالم بذلك الذكاء المستفاد من حيث هو هو ، لا من حيث ابتنائه على تلك العلوم والقواعد ، ليتفهم بذكائه تلك الآيات والآثار ويقطع من نفسه الاعتبار فقد أصاب و لا يتطرق عليه الخطاء لأنه ذكاء محكم تمسك بمحكم وهذا هو الذي وعد الله بالهداية حيث يقول { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وأن الله لمع المحسنين } ، ومن نظر في الكتاب والسنة وفي العالم بذلك الذكاء المستفاد من حيث ابتنائه على تلك العلوم والقواعد كان همه تأويل الكتاب والسنة على طبق ما يريد وربما اتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، حتى أنه يقول أنّ هذه الآية لا تنطبق على ما قرروه ، ولا يدري أن ما قرروه ليس بصواب كلّه ، بل فيه الصواب والخطأ والكتاب والسنة والعالم صواب كله ، وإن اختلف ظاهره فليس بمختلف والأول لا يرى فيه اختلاف بخلاف الثاني وإلى هذه الدقيقة والفرق في الطريقة الإشارة بقوله تعالى :
{ فلما جائتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } ، فإن الأول ليس معه علم يرّد البينات ويؤولها عليه ، بل ترك اعتبار علمه وصحّحه بالبينات لما نظر بذكائه ، وعرف البينات ردّ علمه إليها وصحّحه بها بخلاف الثاني فلأجل هذا اختلف العلماء وربما توافق عالمان من جهة استعمالها الطريقة الأولى وربما اختلفا مثلا في مسألة بأن سلك إحداهما الأولى والآخر سلك الطريقة الثانية وليس لمخالفة بل قد تكون غفلة وقد يكون لمخالفة لغرض نفسانّي فيصرف الآية إلى ما لديه من العلم حيث لا يجد ملجأ إلا علمه وهو قوله تعالى { فرحوا بما عندهم من العلم } ، وأما اختلاف التعبيرات من الباطن والظاهر فلأن أول مبدع بالإبداع الحروف ثم ركب الأسماء ووضعها على مسمِّياتها قبل عالم الشهادة فلما ظهر عالم الشهادة بعالم الغيب مثلا ظهر هذا الماء المعروف وهو العنصر الرطب البارد السيّال بالماء الأول الذي كان العرش عليه فلما ظهر بهذا العنصر الرطب السيّال وكان قد وضع على الأول الماء وضعا حقيقيا وكان هذا من ذلك كالجسد من الروح وشابهه في صفاته الذاتية والفعلية وضع في هذا العالم عليه اسم الماء بالحقيقة الإضافية فهذا هو الماء الذي به حياة كل شيء حتى في الظاهر ، وذلك هو الماء الذي حياة كل شيء حي أي موجود في الباطن ، انظر إلى ما في العيون عن الرضا عليه السلام في قصة ضيافة سلمان لأبي ذر لما ( وضع سلمان بين يديه القرصين اليابسين فقلبهما أبو ذر فقال له سلمان أراك تقلبهما والله لقد عمل ، فهما الماء الذي حمل العرش حتى ألقيهما إلى الملائكة وعملت فيهما الملائكة حتى ألقتهما إلى الريح وعملت فيهما الملائكة حتى ألقتهما إلى السحاب ) الحديث .
ومعلوم أن ذلك الماء غير هذا الماء فلذا اختلف تعبير أعل الظاهر وأهل الباطن وأعجب من ذلك أن أهل الظاهر ينكرون تلك وينسبون إليها المجازات وهم قالوا الحقيقة لفظ مستعمل في وضع أول والمجاز لفظ مستعمل في وضع ثاني لعلاقة ويشترطون أن تكون الحقيقة أصلا في الاستعمال ولا يصرف عنها إلا بنصب القرينة ، وقالوا أن حقيقة الرحمة رقّة القلب فلما ورد تسمية الله بالرحمن الرحيم ضاق عليهم المنهج فقالوا لا يستلزم المجاز لحقيقة بل قد يستعمل اللفظ في غير الموضوع له فهو مجاز كالرحمن لله ولم يستعمل الذي الرحمة وهي رقة القلب الذي هو الحقيقي لأنة رقة القلب لا تجوز على الله تعالى واستعملت فيه مجازا ثم قال بعضهم ( ولقائل أن يقول وإن كان الرحمن مجازا بالنظر إليه تعالى لكنه صار حقيقة عرفيه فيه تعالى للتبادر عند الإطلاق وهو أمارة الحقيقة ) ، فليت شعري هل كان الله رحمانا ورحيما قبل أن يخلقهم ويخلق قلوبهم ورقتها أم لم يتصف بذلك إلا بعد أن خلقهم أم اختار لهم الحقيقة وله المجاز والحقيقة ذكر والمجاز أنثى ، { تلك إذا قسمة ضيزى } أم اتصف بها ولم يسّم نفسه حتّى سمّيهم ثم اشتق له من أسمائهم اسما اختص به فأين يذهبون أفلا يسمعون إنّ الله سبحانه شيء بحقيقة الشيئية ، وهم إنما كانوا شيئا به تعالى وأسمائه أسماء بحقيقة الاسمية وإنما كانت أسماؤهم أسماء بحقيقة أسمائه تعالى والرحمة له حقيقة ولهم حقيقة من دون تلك الحقيقة بمعنى أنها حقيقة بالنسبة إلى حقيقتهم كنسبة حقيقتهم إلى حقيقة الله وإنما تلك الرحمة التي هي رقة القلب مجاز ، إذ معنى المجاز إنه طريق الحقيقة إلى ما لم تكن الحقيقة موضوعة له بسبب العلاقة إن الله سبحانه جعل الرحمة مائة جزء ، أخرج منها جزء واحدا رحم به عباده في الدنيا فبفضل ذلك الجزء من رحمته يتراحمون وتعطف الوالدة على ولدها وتحن البهائم إلى أولادها فأهل الباطن يقولون الرحمة تطلق على الله بالحقيقة وليس حقيقتها رقة القلب ، وتطلق على غيره بالنسبة إليه تعالى مجازا وبالنسبة إليهم حقيقة ، والمعنى أن حقيقتها هي الهداية والحياة والعلم ، قال تعالى { من كان ميتا فأحييناه } وقال تعالى { فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها } وهي التي بها النعم الباطنة ومن آثارها رقة القلب التي بها بعض المنافع الظاهرة ، ومعنى كونها مجازا بالنسبة إليه أنه تعالى إذا أراد أجزاء نفع أحد من عباده على يد آخر جرت آثار رحمته على قلب ذلك الآخر فرق قلبه وإليه الإشارة في تأويل بقوله تعالى { فإذا أنزلنا عليه الماء اهتزت } وهي في التأويل وفي الباطن كذلك ، وأما أهل الظاهر فيقولون حقيقتها رقة القلب ورحمة الله مجاز ولا يستحيون فهذا ومثله اختلفت عبارة الفريقين .
قال : وكلام الصوفية المنهى عن اتباعهم .
اعلم أن هؤلاء كانوا يتكلمون في الحقائق التي عرفوها بعبارة تخالف الشرع ظاهرا وتنافي الإيمان بل الإسلام في اللفظ وإن أرادوا بها معنى صحيحا فإن ألسنتهم كافرة في كثير من المواضع ، وإن كانت قلوبهم بخلاف ذلك ويجرى عليهم في مواضع قوله تعالى { ولعنوا بما قالوا } وكانت لهم طرق يخالفون فيها الشريعة فمنها إن منهم من يترك العمل مدعيا بالوصول وإن العمل يشغل من هو مبين يدي الملك ولا يعلم أن استحضار ذلك هو الذي بين يدي الملك وهو بالقلب والعمل بالجوارح هي خدمتها للملك ، وكونها بين يدي وكذلك الحركات والبصر فإن العبادة والخدمة مقسمة على الجوارح والقلب واللسان والأعراض كالحركات وغيرها فأيها لم يقم بما كلف به لم يشترك ومنهم من يستمع الملاهي ويستمع الألحان المطربة مدعيا أن النفس خلقت من حركات الأفلاك ونفوسها فإذا سمعت هذه الأصوات والملاهي طربت وتذكرت أوطانها و أوطارها وأطوارها ، فانصرفت عن هذا العالم فصافحت الملائكة وصعدت إلى الملكوت وأدركت حضّها وجهلوا ، أما حققوا في مثل هذا المقام إن هذه الملاهي إنما حرمت لأن النفس لا تتجاوز عنها بل تتنقل في حركات الملاهي ونغمات الغناء لما بينهما وبين النفس من المناسبة لأن الغناء فضلات نفسانية عجزت النفس عن إبرازها في ألفاظ دالة ، فأخرجتها ألحانا وكذلك الملاهي بجميع أصنافها فإنها تحكي ألحان الأفلاك على ما قرر في الموسيقى فلا تزال النفس مشتغلة بتلك الأصوات والنغمات تنتقل معها وتسير بها في كل مكان سحيق ، فهي في الحقيقة أشد من الغفلة ولهذا أسماه الشراع عليه السلام ملاهي لأن النفس في غير تلك قد تلتفت إلى أوطانها فتشاهد وقد تغفل ، وأما في هذه الحال فهي محجوبة ، فأيّما حركت توجهت إليه لما بينهما من المناسبة فقبل
أن تتوطن أتاه بها مناسب آخر نقلها عن الأول وهكذا فلا تزال تلعب بها الريح وتتخطفها الأطيار ليس لها تصرف في نفسها ، فهي في الحقيقة أبدا غريبة ما دامت في تلك الحال قد غربت عن الأوطان وشرّدها عن مساكنها الشيطان ولهم كلام ما أشبهه بالحق لأنهم مزجوا حقا بباطل وليلبسوا عليهم دينهم { ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } ومنهم من حصر المدلولات الشرعية على الأمور الباطنية في الإنسان وقالوا إنما أراد الشارع هذا الذي عندنا وليس شيء سواه ولكل رأيت منهم مقاما شرحه في كتاب مما يطول ولا يخفى حال هذه الجماعة وهم الذين نهى عن اتباعهم لأن من أقوالهم ما يخالف الشرع ومن أعمالهم ومن علومهم ومن استعمالهم فمن يتبعهم وقع فيما هم فيه ولنقبض العنان .
وأما قوله : وكلام أهل الحق المأمور باقتفائهم فهو يريد منه أهل الحق من أهل الباطل لا أهل الظاهر لما بين الصوفية وبينهم من البون البعيد فلا يلتبس على أدنى الناس الفرق وإنما الالتباس في أهل الحق من أهل الباطل وفي أهل الباطل من أهل الباطن فإن عباراتهم قد تتشابه في كثير وإن اختلفوا في كثير .
فاعلم وفقك الله لما يحب ويرضى أن أهل الحق نظروا في الكتاب والسنة والعالم وفي أنفسهم كما دلّ عليه الأثر واستعانوا عليه بامتثال وأمر الشرع واجتناب نواهيه وبالزهد في كل دني خسيس كالدنيا وما فيها لها وما فيها للآخرة نظروا فيه فما كان منه زادا لطريقهم أخذوا منه قدر الحاجة وما أمكن الاستغناء به عنه تركوه ومنهم من طلب ما فيها للآخرة لا لحاجة بل امتثالا للأمران توجه الأمر إليه به ومع هذا لا يأسى على ما فات ولا يفرح بما أوتى ثم قطعوا اعتبار أنفسهم وأماتوها بمعاكسة هواها ، فنظروا إلى الخلق بنظرة الله (( فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدا من أرواحها معلقة بالمحل الأعلى )) انتهى .
فجاهدوا في الله حق جهاده فهداهم سبيله إن الله لمع المحسنين فكشف الله لهم عن الحقائق الحجب وهي سبحات الجلال فألقى الأكوان عنهم وألقوا انفسهم فجازوا حيث ولم وكيف ، وعرفوا مفصولهم وموصولهم وأخلصوا لله العبودية فأتيهم من كل ما سألوه أحباب العلماء في التعليم إلى أمثالهم وقرطاسهم وهم قد استغنوا بالله عمن سواه فتعرّف إليهم في كل شيء حتى لم يجهلوه في شيء قرءوا آياته في كتابه وفي الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ثم صعدوا حتى شهدوه في كل شيء وهم أصحاب محبة الله وأولوا الأفئدة الذين محوا الموهوم فصحّا لهم المعلوم ، قال صلى الله عليه وآله وسلم ( العلم نور يقذفه الله في قلب من يحب فينشرح فيشاهد الغيب وينفسخ ويحتمل البلاء ويحفظ السر وفي بعض النقل فقيل يا رسول الله وهل لذلك من علامة فقال التجافي عن دار الغرور والترقي إلى عالم النور والإنابة إلى دار الخلود والإستعداد لما بعد الموت ) فأهل الحق الذين باطنهم لا يخالف ظاهر الشريعة ولا باطنها وظاهرهم طبق باطنهم وقولهم يصدق فعلهم فإذا رأيت من يدعي ذلك ويأتي بكلام غير معلوم عند سائر الناس وشهد لدعوية الكتاب والسنة المعلوم من مذهب أهل العصمة جريهم عليها في معتقدهم ولا يرد عنهم ما ينافيه إلا وقد وضعه المدعي لذلك موضعه حتى لا يكون في السنة ولا في الكتاب اختلاف ولا تنافي وأتى على ما يدعيه بمثل من العالم ضربه الله لتلك الدعوى بيانا وبرهانا فذلك الذي يجب الاقتداء به وإن استدل بالكتاب والسنة وبقى فيها شيء ولو حرف لم يضعه موضعها ولم يأت بمثل مضروب لذلك من الله فليس ممن يحب الاقتداء به الجواز أن يكون الحق في ذلك الحرف الذي خالفه ولأن المثل خلقه الله لذلك ولا يكون آية إلا للحق ، وأما مجرد التأويل والاستدلال ببعض الآيات وبعض الروايات فليس دليلا على الصواب لجواز التأويل واللبس والغلبة في الخطاب وإلا فكل يدعي وصلا بليلى وليلى ولا تقر بهم بذاكا .
وعلامة من أقرّت له ألا يخالف قوله قولها وهم الذين يعلمون الباطن الذي هو طبق الظاهر ومطابقته للظاهر علامة صحته ويعلمون الظاهر الذي هو طبق الباطن ومطابقته للباطن علامة صحته ، وإلى هذا المعنى أشار الصادق عليه السلام كما رواه الحسن بن سليمان الحلي من تلامذة الشهيد الأول وهو شريك ابن فهد يروي في كتاب مختصر بصائر سعد بن عبدالله بإسناده عن الهيثم بن عروه التميمي قال ( قال أبو عبدالله عليه السلام يا هيثم التميمي إن قوما آمنوا بالظاهر وكذبوا بالباطن فلم ينفعهم ذلك شيئا ولا إيمان ظاهر إلا بباطن ولا باطن إلا بظاهر ، انتهى .

كما روي في معرفة علي عليه السلام بالنورانية والروايات على ذلك أي على أن صحة كلّ بمطابقة الآخر كثير وإن الباطن هو مكنون العلم وإنما يخاطبون الناس على قدر احتمالهم ولذا قال الإمام السجاد عليه السلام :
أني لأكتم عن علمي جواهره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا
ورب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا
فافهم ما ألقي إليك وكن من الشاكرين .
قال سلمه الله : يؤخذ منها صنعة المكتوم من كونه شجرة إلى كونه حجرا إلى كونه أنسانا كاملا ؟
أقول : اعلم أن هذه الكلمات لا يجوز الكلام فيها على التفصيل بل لابد من إجمال أو كتمان أو رمز ، وقد أجمع على ذلك الحكماء بلا خلاف فيذلك .
وروى ابن شهر آشوب في مناقبه أن عليا عليه السلام سئل عن الصنعة وهو يخطب فقيل له أخبرنا عن الصنعة فقال ( هي أخت النبوة وعصمة المروة إن الناس يتكلمون فيها بالظاهر وأنا أعلم ظاهرها وباطنها هي والله ما هي إلا ماء جامد وهواء راكد ونار حائلة وأرض سائلة ) وسئل أيضا عن ذلك هل هو كائن فقال ( إنه كان وهو كائن وسيكون إلى يوم القيامة ، قيل ممَّ يكون ؟ قال إنه يكون من الزئبق الرجراج والأسرب والزاج والحديد المزعفر وزنجار النحاس الأخضر فقيل زدنا بيانا فقال اجعلوا البعض ماء واجعلوا البعض أرضا وأفلحوا الأرض بالماء وقد تم ، فقالوا زدنا بيانا ، فقال لا زيادة على هذا فإن الحكماء ما زادوا عليه كي ما تتلاعب به الناس ، انتهى .
وروى الجمهور أن جماعة سألوا أمير المؤمنين عليه السلام ( قيل يا أمير المؤمنين ما تقول فيما يخوض الناس فيه من علم الحكمة التي تسمى الكيمياء أكان ذلك غابرا أو هو كائن أم انتظمه الحكماء أم جرى عليه معان من الدهر فدثر قال فأطرق رأسه ملـيّا ثم صوّب رأسه فينا فقال إنما سألتموني عن أخت النبوة وعصمة المروة والله لقد كان وإنه لكائن إلى يومنا هذا وما في الأرض من شجرة ولا مدرة ولا شيء إلا وفيه منه أصل وفصل قيل الناس يعرفونها قال الناس يعرفون ظاهرها ونحن نعلم ظاهرها وباطنها قيل فعلمنا يا أمير المؤمنين قال والله إني لا أعلم به أحد من العالمين قيل لِمَ يا أمير المؤمنين قال والله لولا أن النفس أمارة بالسوء لفعلت ذلك قيل فاذكره لنا يا أمير المؤمنين بشيء نأخذ معناه قال هو نار حائلة وأرض سائلة وهواء راكد وماء جامد فقالوا لم نفهم ما قلت يا أمير المؤمنين فقال إن في الأسرب والزاج والملح الأجاج والزئبق الرجراج والحديد المزعفر و زنجار النحاس الأخضر لكنزا لا يدرك له آخر تلقح بعضها ببعض فتشرق ناره عن نور شمس كائن وصبغ غير مباين ، فقيل اشرحه لنا يا أمير المؤمنين قال اجعلوا البعض أرضا والبعض ماءا والبعض نارا والبعض هواءا وأصلحوا بين الطبائع تصفح عن دهن سائل وإكسير حائل فقالوا قد فهمنا يا أمير المؤمنين ، نريد منك صورة التمام فقال لم يوجد للماضين من قبل ممن ألهم الحكمة أن يخبروا به أكثر منه هذا لتعلموه الصبيان في المكاتب والنساء في المراتب ولكن لا يحل لهم أن يتكلموا بها إلا هكذا لأنه علم لاهوتي نبوي علوي حقيقي خصوصية من الله لمن يشاء من عباده ) ، انتهى ، رواه أبو العباس أحمد الرملي في كتابه السر المنير في أصول البسط والتكثير .
أقول : ولابد أن يكون للسؤال جواب إلا أنه على طريقهم فاعلم أن أصله صفوة قوى الإنساني وهو يفارق من الإنسان من الكيلوس ويصعد على ذروة طور سيناء وتنبت تلك القوى شجرة ليس في الأشجار أحسن منها فخذها عبيطة في فصل الربيع واعصر ماؤها وصفه مرة واحدة بخرقة صفيقة ثم رد عاليه على سافله واطبخه به حتى يكون سافله عاليا وانحله وهكذا واعقده ثم اغسله حتى يبيض ثم زوجه في مدة أربعين يوما بابنته وتكون كفوا له ثم زوجه ثلاثا وحينئذ كان حجرا وانحله واخدمه بست جاريات متواليات وحينئذ يكون شجرا وطف به في البيت الحرام اسبوعا وخذ له ماء من ارض مصر ونارا من أرض فارس وقبضة تراب من بيت المقدس وانفخ عليه من الهواء يعني بريح الجنوب واجعل ذلك ثلاثا وستا فعالجه بالفلاحة المصلحة بالثلاث أولا فإذا تمت الثلاث ظهر القمر في ثالث برج الثور ثم عالج هذا بالست فإذا تمت الست ظهرت الشمس في التاسع عشر من برج الحمل فإذا رأيت ذلك فاسجد لله شكرا وعفر خديك لجلال وجهه الكريم ، واعلم أنك قد ملكت الدنيا وكنوزها فاملك به الآخرة وقصورها وحورها واسمع قول الله في هذا المقام { ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } .
قال أيده الله : والعالم العلوي والسفلي في الإنسان الكامل والعالم الصغير الإنساني ؟
اعلم وفقك الله أن العالم العلوي في الإنسان الكبير العرش الذي هو محدد الجهات قلبه والكرسي صدره والسماوات السبع والسفلى الأرضون وما فوقها هذا ظاهر العالم العلوي والسفلي من الكبير وأما باطنه ففؤاده الإبداع الأول وقلبه الذي هو عرشه وهو علم الكيفوفة والبداء وعلل الأشياء وعقله القلم وصدره اللوح ونفس فلك الرجل وجه عقله ونفس فلك المشتري علمه ونفس فلك المريخ وهمه ونفس فلك الشمس وجوده ونفس فلك الزهرة خياله ونفس فلك العطارد فكره ونفس فلك القمر حياته وسكان ما ذكر قواه وجنود فؤاده وقلبه حجب الغيوب وهي كثيرة باعتبار مراتبها ، فمنها نور ومنها نار ومنها ظلمة ومنها برد ومنها ثلج ومنها رعد ومنها برق ومنها كروبيون وهم رجال من الخلق الأول ومنها برازخ إلى غير ذلك وله سبع نفوس نفس حياة ونفس عادة ونفس طبع ونفس شهوة ونفس طغيان ونفس إلحاد ونفس شقاوة وسكان ما ذكر جن وشياطين والإنسان الصغير كذلك ابداعه قبضة من ابداع الكبير وكذلك قلبه وعقله وصدره إلى نفوسه كما ذكر اسم باسم وطبع بطبع وملائكة جند عقله وقواه وشياطينه وجنه وساوس نفسه وبحره دمه وأنهاره عروقه وشجره شعره ومظهر شمس منخره الأيمن ومظهر قمره منخره الأيسر وأكوار الأصغر بأكوار الأكبر وأكوار الفلسفي بأكوار الأصغر وأدوار الفلسفي بأدوار الأصغر وأدوار الأصغر بأدوار الأكبر ، قال عبد العزيز بن تمام العراقي في قصيدته في الإنسان الفلسفي :
والعلم في حجب الأزمان معدنه في عالم ذي أعاجيب وألوان
والعالمان جميعا فاعلمن له العلوي والأوسـط والأدنـى شبيهـان
والعالم الأصغر الإنسان يشبهه طبعا بطبع وأركـانـا بأركان
هذا يدور على هذا وذاك له قطبـك ذلـك ما كرّ الجديدان
تباين واتصال غير منفصـل كلاهـما واحد والعـدة اثنان
انتهى.
وأما طبائع هذه العوالم فكذلك فالنار في الكبير كرة النار وفي الصغيرة المرة الصفراء وفي الفلسفي الأحمر الشرقي والهواء في الكبير الهواء وفي الصغير الكبد وفي الفلسفي الأصفر الشرقي وفي اصطلاح آخر أن الأحمر هو الهواء والأصفر الشرقي هو النار ولكل اصطلاح مناسبة صحيحة والماء في الكبير معروف وفي الصغير الرية وفي الفلسفي الغربية والتراب في الكبير الأرض وفي الصغير الجسد وفي الفلسفي الأرض المقدسة واكليل الغلبة وهكذا مما يطول الكلام فيه .
قال سلمه الله : بحيث لو وقف عليها صرفها أهل الظاهر لظاهرهم وأهل لباطنهم وأهل التأويل لتأويلهم على حسب التفاسير التي فهمناها منكم وهي الظاهر وظاهر الظاهر والباطن وباطن الباطن والتأويل وباطن التأويل بحيث أنه يكمل فيه الصنعة وتولد الإنسان وقواه وأطواره والعالم الزماني والعالم الدهري والعالم السرمدي والعالم البرزخي والعالم الحشري ؟
أما قوله صرفها أهل الظاهر لظاهرهم . . . إلخ ، فقد مرّ جوابه ، وأما ذكر التفاسير الستة فالظاهر معروف وظاهر الظاهر هو ما يؤخذ من مادة الكلمة أي من حروفها ويراد منها معنى وإن كان مخالفا لقاعدة أهل اللغة كما في قوله تعالى { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا } ففي تفسير الظلم أن الجبال جمع جبل وهو معروف وفي تفسير ظاهر الظاهر أن جبال جمع جبل له وهي الطبيعة ، وفي تفسير التأويل الجبال الأجساد الحيوانية من الإنسان وغيرها والنحل في الظاهر معروف وفي الباطن آل محمد سلام الله عليهم ، وفي التأويل نفوس العلماء وفي ظاهر الظاهر النفوس التي لها قدرة على الانتحال أي الاختيار يعني اختيار الحسن كما في قوله تعالى { فيتبعون أحسنهم بقرينة } قوله تعالى { وأوحى ربك } وأما التأويل فإن تصرف كلاما عن ظاهره إلى معنى آخر لم يرد منه ظاهرا كما قال علي عليه السلام في ذكر قيام القائم عليه السلام وما ينالون من أدركوه من العلم بحيث تستغني كل منهم عن علم الآخر ، قال عليه السلام وهو تأويل قوله تعالى { يغني الله كل من سعته } وأما باطن التأويل فكذلك ولكن يجري فيه على معنى الباطن كما روي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى { ألم ترّ إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }قال هو الحسن بن علي عليهما السلام أمر بالكف عن القتال وبالصلح أو كما قال { فلما كتب عليهم القتال } قال هو الحسين بن علي عليهما السلام كتب عليه القتل والله لو برز معه أهل الأرض لقتلوه ، انتهى .
فانظر هذا المعنى فإنه تأويل باطن لأنه باطن تأويل ، ولكن لا يجري على ظاهر العربية كما ترى وكما ورد في قوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } ما معناه أن الإنسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن الوالدين الحسن والحسين عليهما السلام ، وكما روى فراة بن ابراهيم في تفسير قوله تعالى { والسماء ذات الحبك } عن أحدهم عليهم السلام ، قال السماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحبك علي عليه السلام ، فعلي ذات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما تفسير الباطن فمعلوم مثل قوله تعالى { حـم } وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { والكتاب المبين } وهو علي عليه السلام { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } وهي فاطمة عليها السلام { أنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم } أي إمام حكيم بعد إمام حكيم والأحاديث مشحونة بذلك وهو أن يجري على طريق اللغة بمعاني باطنة غير ظاهرها وأما تفسير باطن الباطن فلا يجوز بيانه فقد روي ( أن القائم عليه السلام إذا خرج ونادى أنصاره واجتمعوا عنده دعاهم إلى مبايعته فأجابوا فقال تبايعوني على كيت وكيت فنفروا عنه ولم يثبت معه إلا المسيح وأحد عشر نقيبا فيجولون الأرض فلا يجدون ملجأ إلا إليه فيأتونه ويبايعونه على ما يريد منهم وهو حرف من باطن الباطن حتى أن الصادق عليه السلام قال ما معناه ( وأني لأعلم كلمة التي قالها لهم فيكفرون ) .
واعلم أن القرآن مشحون بتفسير باطن الباطن وإذا أردت ذلك فانظر في تفسير الباطن كما في تفسير القمي فخذ ذلك المعنى وقل به في تلك الآية بغير تغيير عن صورتها ولا مجاز وقد كشفت لك في الإشارة ما لا يجوز بيانه في عبارة الأمر إلى مرموزا لأنه هو الكفء إلا عند أولي الافئدة خاصة فإنه هو الإيمان ، ولذا قال عليه السلام ( لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله أو لكفره ) وقال عليه السلام ( ما أفشى أحد سرنا إلا أذاقه الله حرّ الحديد ) انتهى ، وكم من شخص ظهر منه ما كتم فجرى عليه ذلك كما أشار إليه الصادق عليه السلام روى في الكافي في بيان معرفة الله وفضلها وفيه ما يدل على ما قلنا أن تفسير بالطن الباطن لا يدركه إلا أولوا الأفئدة وإنما سواهم يكفرونهم بما هو الإيمان بالله حقيقة ويقتلونهم ويحرقونهم حيث قال عليه السلام ( بعدما ذكر فضل معرفة الله ورغب فيه قال عليه السلام ( قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشر ويضيق عليهم الأرض برجها فما يردهم عما هم عليه شيء مما هم فيه من غير ترة تروا من فعل ذلك بهم ولا أذى بما لقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد فسلوا ربكم درجاتكم واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم ... إلخ ) وقوله بحيث فيه الصنعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الرسالة التوبلية2 ص10

قد مضى الإشارة إلى ذلك بحيث تكمل فيه الصنعة للعارف بها لأنه يدور على حل وعقد وحل وعقد فالحل الأول في الصنعة نصف الكيف المكتوم ، والعقد الأول تزويجه بزوجة ثم بثلاث زوجات والحل الثاني الجويريات السّتّ والمناخل الأكسيرية ، والعقد الثاني عقد التساقي الثلاث للقمر والست للشمس فكذلك الإنسان الكبير له حلان وعقدان فالحل الأول في الدواة الأولى وفي القلم والعقد الأول في البراء وفي اللوح والحل الثاني في الطبيعة وفي المادة والعقد الثاني في المثال وفي الأجسام وكذلك الإنسان الصغير يحل في مقام الماء والمواد النباتية ويعقد في الفواكه والمطاعم ويحل في معدة أبيه وقواه وكبده إلى صلبه ويعقد في الأرحام وإذا جهلك مقام في أحد هذه الثلاثة فاعرفه بنظيره في الآخرين فإنه مثله كلُّ مبني على صاحبه وهذا جواب قوله وتولد الإنسان .. .إلخ .
وقوله والعالم ، فالعالم هو الأجسام والزمان هو الحركة الفلك وقوله والعالم الدهري العالم هو العقول والنفوس كما مر والدهر هو حركة أفلاكها و، وقوله العالم السرمدي العالم هو الإبداع والمشيئة والإرادة كما قال الرضا عليه السلام ( وهو عالم الأمر وهو أول مخلوق خلقه الله بنفسه لا بإبداع آخر ولا بمشيئة أخرى بل بنفسها وإن خفي عليك أن المشيئة مخلوقة بنفسها بل لو كانت مخلوقة كانت مخلوقة بمشيئة أخرى ويلزم الدور أو التسلسل وأيضا هي صفة ولابد أن تحل بموصوفها فلو كانت حادثة إما أن تكون محلا للحوادث أو تقوم الصفة بغيره أو لا بشيء والكل باطل كذا قالوه أكثر العلماء من أهل الظاهر ومن أهل الباطن ، وحيث جرى هذا الكلام فلابد من تحقيق المقال على سبيل البيان والإلزام متوكلا مستعينا بالملك العلام .
اعلم هدانا الله وإياك أن هذا الذي قالوه كلام ينقل ولا يذوقونه ولو وصلوا إلى البدء رأوا عيانا واستغنوا عن الخبر بل الحق أن المشيئة والإرادة حادثتان وأنهما والإبداع ثلاثة ألفاظ معناها واحد كما قال الرضا عليه السلام لعمران الصابي وهو مذهب أهل البيت أجمعين عليهم السلام لم ينقل عنهم حديث يدل أو يوهم أنهما قد يمتاز مع أن الروايات والآيات الدالات على حدوثها ما تكاد تنضبط حتى أن الرضا عليه السلام قال كما رواه في التوحيد ( الإرادة من صفات الأفعال فمن زعم أن الله لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد ) انتهى ، وبالجملة ، فانظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال تأمل الكلام بقلب واع وانصاف مراع فقولهم لو كانت مخلوقة لزم أن تكون مخلوقة بمشيئة فيجيء الدور أو التسلسل غفلة لأن الإمام عليه السلام ما ترك لمحتج حجة قال ( خلق الله المشيئة بنفسها وخلق الخلق بالمشيئة ) فقالوا المراد بها مشيئة العباد وهذا كلام من لم يفهم الخطاب ، وثانيا هل سمى نفسه بالأزل بها فعليهم الإثبات أو عليَّ الإثبات في النفي لأنه لو سمى نفسه بها في الأزل وصف نفسه بنفيها فقال ( لم يشأ ولم يرد لأن ما سمى نفسه به وثبت له هنالك كالعلم والقدرة لم يقل في حال لم يقدر ولم يعلم ولم يسمع ولم يبصر ولكنهم لم يعلموا ولم يسمعوا ولم يبصروا ولأنهم لما لم يدركوا خلق الشيء بنفسه قالوا ما قالوا فرارا مع أن كل أفعالهم يحدثونها بنفسها لا بأفعال أخر لم يسبقها شيء إلا القدرة والعلم وأضرب لك مثلا لا يعرض عنه إلا متعسف ولا يتردد في منصف ، اعلم أن الإجماع قام أن الصلاة لا تصح إلا بنية وأن تلك النية عبادة لأنها عندهم إما شرط وإما شطر وإما عندنا فهي روح العمل وبالجملة فلا عمل إلا بنية وإنما الأعمال بالنيات ) الحديث ،
فالعامل يحدث الصلاة بنية والنية هل يحدثها بنية أم بغير نية أم بنفسها ؟ فإن كانت بنفسها فقد جاء الحق وإن كانت بغير نية ولا بنفسها لم يكن عبادة وفسدت العبادة وإن كانت بنية أخرى فأريناها أيها المدعي لها حتى يجيء الدور أو التسلسل قل لي ما شئت افهم وإياك أن تكثر السؤال فما ليس لك به علم فإني أعظك أن تكون من الجاهلين .
قال علي عليه السلام ( العلم نقطة كثرها الجهال ) انتهى ، وأما قولهم إنها صفة والصفة لا تقوم إلا بموصوفها ...إلخ ، فاعلم أنها صفة حادثة قائمة به قيام صدور لا قيام عروض كقيام غيرها من المخلوقات بها وكقيام بربي على أن الصائت موصوف وصفته قائمة بالهواء وكاسر العصا صفة وهو الكسر حالة بالمكسور فإن قلت وذلك التأثر لا التأثير قلت كذلك التأثير قائم به قيام صدور لا عروض وإلا كان دائما به فهو أبدا كاسر فافهم ، وإنما قالوا ذلك لأن الصفة عندهم عرض وذلك خطأ بل هي ذات بها حصلت الذوات الذاتية لأن الله شيء بحقيقة الشيئية والمشيئة شيء بالله والأشياء شيء بالمشيئة ، واسمع قول علي عليه السلام في خطبة يوم الغدير والجمعة ( إذا كان الشيء من مشيئته ) انتهى ، فالله سبحانه قائم بذاته في أزل الآزال وحده ليس معه غير وهو الآن على ما كان والمشيئة قائمة بالله قيام صدور لا قيام عروض في مرتبة الإبداع والفعل المعبر عنه بالأمر وبالوجود المطلق في السرمد لا في أزل الآزال بل في السرمد وهو ظرف عالم الأمر كما ذكرناه فراجع ، والأشياء قائمة بالمشيئة في عالم الخلق المعبر عنه بالوجود المقيد وأول ما خلق الله من الوجود المقيد يعني المفعولات العقل وآخرها التراب فالمجردات في الدهر كما مر والأجسام في الزمان فالوجود المقيد قائم بالمشيئة في الدهر والزمان لا في رتبة المشيئة في السرمد وأكرر العبارة لتفهم المراد فإنك فهمت ذلك لم يبق عندك على الحق غبار وحصلت جواب كل اعتراض وكل شبه مما ذكر ومما لم يذكر ومما يناسب النصيحة ، قول الشاعر :
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا وإن لم يكن فهم فيأخذه عنا
فما ثم إلا ماذكرنا فاعتمد عليه وكن في الحال فيه كما كنا
فمنه إلينا ما تولنا عليكم ومنا إليكم ما وهبناكم منا
وقوله والعالم السرمدي فالعلم هو كما مر المشيئة وهي الذكر الأول والإرادة وهي العزيمة على ما يشاء كما فسرتا به في الكافي في رواية يونس والإبداع وهو خلق ساكن لا يدرك بالسكون كما قال الرضا عليه السلام ، والسرمد هو حركة دوران فلكها على نفسها وهي الكاف المستديرة على نفسها ، وقوله والعالم البرزخي العالم هي الأرواح في القوالب المثالية والطَيَن بفتح الياء الباقية مستديرة في قبورها والبرزخ هو الحائل بين الشيئين أي بين الدنيا والآخرة في مقام أحوال الأجساد وبين الأرواح والأجسام وهو المثال ، وبين الزمان والدهر وهو ظرف بين الزمان والدهر فيجري عليه حكم الزمان من خلفه فورد { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } وورد { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } ويجري عليه حكم الدهر من وجهه فورد { تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا } وورد { ويوم تقوم الساعة } فهمك الله من العلم المخزون .
وقوله والعالم الحشري وهو تعلق عالم الأرواح والأجساد وهذا هو التزويج بعد البلوغ فعد ثبت صبغ الروح التي اكتسبته في دار التكليف من نفسها بالترديد والرفع والوضع والنور والظلمة والشدة والرخاء الذي هو عبارة عن التدبير ، وصفى الحسد بتكليسه وثبت له ما باشر فرجعت الأرواح بوصفها وصبغها إلى الجسد بما فيه من القابليات بتلك الأوصاف وهو سبحانه وتعالى قال { سيجزيهم وصفهم ولكل الدرجات مما عملوا إنه بما يعملون خبير }.
قال سلمه الله : وتقابل العقل بالجهل وأول المخلوقات بآخرها والمركز الأرضي بالمحدد السمائي وسكان الأفلاك بسكان الأرضين وما بينهم وتخرج لنا ما يماثلها في الإنسان .
أقول : أما مقابلته في غير الإنسان بما يقابل ضدّه فالعقل يقابل الجهل ، والروح يقابل ما تحت الثرى ، واللوح يقابل الثرى ، والطبيعة تقابل الطمطام المعبر بالظلمة ، والمادة تقابل النار ، والشكل يقابل الريح العقيم ، والجسم الكل يقابل البحر ، والعرش يقابل الحوت ، والكرسي يقابل الثور ، والفلك البروج يقابل الصخرة ، وفلك المنازل يقابل الملك الحامل للأرض ، وفلك الزحل يقابل أرض الشقاوة ، وفلك المشتري يقابل أرض الإلحاد ، وفلك المريخ يقابل أرض الطغيان ، وفلك الشمس يقابل أرض الشهوة ، وفلك الزهرة يقابل أرض الطبع ، وفلك عطارد يقابل أرض العادات ، وفلك القمر يقابل أرض الحياة ، وكرة النار تقابل مرتبة مثله كمثل الكلب ، والهواء يقابل السموم ، والماء يقابل الماء الأجاج ، والتراب يقابل السبخة ، والمعدن يقابل مرتبة كونوا حجارة أو حديدا ، والنبات يقابل النبات المرّ ، والحيوان يقابل المسوخ ، والملائكة تقابل الشياطين ، والجن يقابل شياطين الجن ، والإنس تقابل شياطين الإنس ، والجامع عليه السلام يقابل إبليس .
وأما مقابلة الإنسان بذلك فإنه خلق جانبه الأيمن أي عقله وجنده من قبضة من العقل ولكل واحد من أتباعه قبضة إلى آخر ما ذكر ، وخلق جانبه الأيسر أي نفسه الأمارة وجندها من الجهل من قبضة ومن كل واحد من أتباعه قبضة إلى آخر ما ذكر { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } .
الثانية من مسائله أدام الله عليه جزيل فضله ونائله ،
قال : ما الإبداع الأول وما الثاني ؟
أقول : اعلم أن الإبداع الأول عندنا هو أول ما خلق الله وقد تقدمت الإشارة عليه وإنه فعل الفاعل ومشيئته وأنه خلق ساكن لا يدرك بالسكون أي لا يوصف به لأن السكون من المبدعات وهي بالإبداع .
وأما الإبداع الثاني فهو الحرف الذي عليها مدار سائر اللغات ، قال الرضا عليه السلام لعمران الصابي ( والإبداع والمشيئة والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة وكان أول إبداعه وإرادته ومشيئته الحروف التي جعلها أصلا لكل شيء ودليلا على كل مدرك وفاصلا لكل شيء مشكل ) الحديث ، كما في التوحيد وعند علماء الجفر أن أول فعله الإختراع الأول والألف أول مخترع بالإختراع الأول وهو الإستقص الأول وهو العنصر الأول الذي به نشأ سائر الموجودات وله من العدد الواحد الذي هو أسّ العدد فبوجوده وجود سائر الأعداد وبعدمه عدم سائر الأعداد كما أن بوجود الألف وجود سائر الحروف وبعدمه عدمها لأن قوامها به وهي رقائق منه وأول مخترع بالإختراع الثاني الباء وهي تضعيف عدد الألف فلذا كانت مبسوطة للكثرة وهي ثاني الألف لأن المخلوق لا ينفرد فلا بد له من نظير ،
وفي التوحيد أن الرضا عليه السلام أنه قال لعمران الصابي ( واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدر فليس في كل واحد منهما لون ولا ذوق ولا وزن فجعل أحدهما يدرَك بالآخر وجعلهما مُدرَكين بأنفسهما ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده والله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضدده ولا يمسكه والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله تعالى ) الحديث .
فدل أن الإختراع والمخترع به زوجان إلا أن الزوجين مخترعان متغايران وإلى صحة ما روي الإشارة بقوله تعالى { ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون } وأيضا عندهم أن الجيم أول مبدع منهما أي الألف والباء بالإبداع الأول أبدع منهما بالصورة والعدد وأما الصورة فمن اجتماع الحرفين ميل الألف إلى الباء إذ كانت الألف قائمة والباء مبسوطة فظهر من ذلك زاوية حادة هكذا < وهي الجيم ، وأما العدد فمن الألف واحد ومن الباء اثنين فصارت المرتبة الثالثة وهي الجيم ، فالأولى للنار والثانية للهواء وهذه للماء والدال ثاني مبدع بالإبداع الثاني من المخترع الثاني أي من الباء لأنها اثنان فحصل من ضربها في نفسها أربعة وهو الدال وهو المرتبة الرابعة للتراب وربما غيرت بعض عباراتهم في المعنى عند النقل على طبق المذهب الحق وإلا فعباراتهم هكذا معناه الاختراع الأول الألف والاختراع الثاني الباء والإبداع الأول من الاختراع الأول الجيم والإبداع الثاني من الاختراع الثاني الدال ، واعلم أن المستفاد من النص واللغة أن الاختراع هو الإبداع ولكن لا مشاحة في الإصطلاح .
قال سلمه الله : وهلم جرا في الحروف ؟
أقول : اعلم أن من أثبت العقول العشرة المعروفة أثبت إبداعات عشرة كلية والحق أن الإبداع بقول مطلق إبداعان ، الإبداع الأول في الوجود المطلق نفسه والإبداع الثاني في الوجود المقيد وهو أي الإبداع الثاني الحروف ثم لكل موجود في عالم الغيب والشهادة أو الأذهان أو الاعتبارات والفرضيات من الإبداع الثاني بالإبداع الأول إبداع خاص به على قدر قابليته من الوجود ومن الخلط والاستعدادات والأسباب وذلك مادة وجوده وباب استغنائه فسالت كل أودية بقدرها { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } وذلك كون لا نهاية له ولا نفاذ فافهم فهمك الله هداه وسلك بك رضاه .
وإنما كانت الحروف إبداعا لأن الأسماء كانت منها وكانت المعاني بالأسماء والحروف فإذا تم الاسم قطرت من كل حرف قطرة على أرض القابليات والجرز الموات فظهر بذلك الماء المعنى وذلك تأويل قوله تعالى { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } وهو الأسماء الوجودية بعد تركبها من حروفها الذي هو عبارة عن تراكمه ( سقناه لبد ميت ) وهي أرض القابليات والأرض الجرز الموات ( فأنزلنا به الماء ) وهو ما قطر من الحروف التي هي السحاب المزجى بعد اجتماعه الذي هو الركام حين أدبر بعضها على بعض فخرج من اختلاط تلك الأصوات والزجلات تلك الرعود المتتابعات معتصر قوى تلك الإضافات والمقارنات فكان معنى لذلك الإسم بل كان ثمرة لذلك الطلسم ( فأخرجنا به من كل الثمرات ) أي المعاني الموجودة بتلك الأسماء ، والنبات النابت بذلك الماء ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ) أي أنبتكم بالماء من الأرض حيث يقول ( وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) ولا يذهب عليك أن المعاني قبل الألفاظ في عباراتهم فتعجب من قولنا أن الأسماء قبل المسميات فإن مبنى كلامهم على الظاهر المعروف وأما في الحقيقة فالألفاظ قبل معانيها ، وإن طلبت البيان فيما خالف الأذهان فخذه ولا تلجئني إلى التطويل فإن المقتصد يكفيه القليل فاعلم أن الله واحد متوحد ليس معه غيره فأول ما برز عنه الكلام الذي هو الإبداع وهو المعبر عنه بـ (كن) فالبارز عنه الكاف والنون لا المعنى إذ ليس قبل هذه الكلمة معنى محدث وإنما كانت الأشياء كلها بهذه الكلمة التي انزجر لها العمق الأكبر ولو كان المعنى قبل الكلمة لكان المعنى غير محدث وكان مع الله غيره فوجب أن يكون المعنى محدثا باللفظ فإن قلت لو سلمنا ذلك في الله معناه فينا قلت إنما خلقكم آية له كما روي في مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام ( العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية وما خفي في الربوبية أصيب في العبودية قال تعالى ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) الحديث .
وذلك لان المعاني التي عندك قبل تلفظك بما يدل على معنا ليس شيئا غير عقلك وليس الصور الحاصلة عندك التي تسميها علما غير صدرك فإذا أخبرت بشيء فالمعنى الذي فهمه المخاطب من لفظك إنما حدث بعد لفظك بلفظك ولم يسبق لذلك المعنى شيء من المعاني غير عقلك وإنما العقل مجنوع تلك المعاني ليس العقل شيئا وهي شيء آخر ولهذا يصغر ويكبر ويصفى ويكدر ، انظر إلى النار الكامنة في الحجر إذا حكّتها الزناد ظهر الشرر فليت شعري ماذا تفهم هذا الشرر الخارج هو ذلك الكامن بنفسه فينقص كم الكامن أو هو منه كما الظاهر من الباطن وليس لهذا الظاهر وجود قط قبل الحك وإنما هو بالحك شيء لا قبله وإلا لكان في الحجر على هذه الصفة فاشرب صافيا ودع عنك الكدورات .
وقال الرضا عليه السلام كما التوحيد ( والله تبارك وتعالى سابق للإبداع ليس قبله عز وجل شيء ولا كان معه شيء والإبداع سابق للحروف والحروف لا تدل على غير أنفسها ، قال المأمون وكيف لا تدل على غير أنفسها قال الرضا عليه السلام لأن الله تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئا بغير معنا أبدا فإذا ألف منها أحرفا أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها لغير معنى ولم تك إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا ) الحديث ، فبين عليه السلام أن الحروف تؤلف لمعنى لم يكن قبل التأليف شيئا ، ومن تتبع كلامنا هذا وما سبق ظهر له أن ( العلم نقطة كثرها الجهال ) كما قال علي عليه السلام 0 وكل شيء فيه معنى كل شيء ) .
قال وفقه الله : وفي أسماء الله الحسنى قد يجري الإبداع الكلي في بعض الأسماء الحسنى .
وذلك في ثمانية وعشرين اسما منها كل اسم يكون ابداعا ثانيا لكلي ، وقد يجري ذلك الاسم في جزئيات كلية بحكم جزئي وهي البديع والباعث والباطن والآخر والظاهر والحكيم والمحيط والشكور وغني الدهر والمقتدر والرب والعليم والقاهر والنور والمصور والمحصي والمبين والقابض والحي والمحيي والمميت والعزيز والرزاق والمذل والقوي واللطيف والجامع ورفيع الدرجات ، ولكل اسم من هذه الثمانية والعشرين تجلي في معنى حيث تجلى الله سبحانه بذلك الاسم في ذلك المعنى ، ففي العقل الأول باسمه البديع في مرتبة الألف كما مر ، وفي النفس الكلية باسمه الباعث في مرتبة الباء ، وفي الطبيعة الكلية باسمه الباطن في مرتبة الجيم ، وفي الهباء باسمه الآخر في مرتبة الدال ، وفي شكل الكل باسمه الظاهر في مرتبة الهاء ، وفي جسم الكل باسمه الحكيم في مرتبة الواو ، وفي محدد الجهات المعبر عن باطنه بالعرش باسمه المحيط في مرتبة الزاي ، وفي فلك الثوابت المعبر عن باطنه بالكرسي باسمه الشكور في مرتبة الحاء ، وفي فلك البروج باسمه الغني وغني الدهر في مرتبة الطاء ، وفي فلك المنازل باسمه المقتدر وفي مرتبة الياء ، وفي فلك زحل المستمد من نور ذات العقل الكلي باسمه الرب في مرتبة الكاف ، وفي فلك المشتري المستمد من نور ذات النفس الكلية باسمه العليم في مرتبة اللام ، وفي فلك المريخ المستمد من نور ذات الطبيعة الكلية باسمه القاهر في مرتبة الميم ، وفي فلك الشمس المستمد من الإبداع كما يدل عليه بعض الروايات معنى ، ومن الكرسي ما تدل عليه رواية علي بن عاصي باسمه النور في مرتبة النون ، وفي فلك الزهرة المستمد من نور صفة الطبيعة الكلية باسمه المصور في مرتبة السين ، وفي فلك عطارد المستمد من نور صفة النفس الكلية باسمه المحصي في مرتبة العين ، وفي فلك القمر المستمد من نور صفة العقل الكلي باسمه المبين في مرتبة الفاء ، وفي كرة الأثيرية باسمه القابض في مرتبة الصاد وفي كرة الهواء باسمه الحي في مرتبة القاف ، وفي كرة الماء باسمه المحيي في مرتبة الراء ، وفي كرة التراب باسمه المميت في مرتبة الشين ، وفي المعادن باسمه العزيز في مرتبة التاء ، وفي النبات باسمه الرازق في مرتبة الثاء ، وفي الحيوان باسمه المذل في مرتبة الخاء ، وفي الملك باسمه القوي في مرتبة الذال ، وفي الجن باسمه اللطيف في مرتبة الضاد ، وفي الإنسان باسمه الجامع في مرتبة الظاء ، وفي الجامع عليه السلام باسمه رفيع الدرجات في مرتبة الغين .
واختلاف أفراد ذلك الجنس باختلاف تطورات ذلك الاسم في ظهوراته وتفاوت تلك القابليات من تلك الأفراد ، وللأسماء الحسنى خواص مختلفة تنفعل لها أشياء إذا استعملت كذلك على الوجه المقرر ، فيكون لها ابداعات منها أن تأخذ لكل حرف من اسمك اسما أوله ذلك الحرف المأخوذ له وتذكرها بعدد أعدادها أو بعدد حروف هجائها أو بعدد حروف أعدادها بعد حذف المتكرر ثم تدعو بها بحرف النداء وتسأل حاجتك ، مثلا محمد يأخذ المجيء والحليم والمعطي والدليل ويذكرها بعدد أعدادها مثلا المجيء سبع وخمسون والحليم ثمانية وثمانون والمعطي مائة وتسعة وعشرون والدليل أربعة وسبعون ، الجميع ثلاثمائة وثمانية وأربعون ، وإن كان بعد بسط حروف هجائها ( م ي م ج ي م ي أ د أ ل ح أ ل أ م ي أ م ي م مـ ي مـ ع ي ن ط أ ي أ د أ ل ل أ م ي أ ل أ مـ ) فيكون أثنين وأربعين وإن شئت تحذف المتكرر فتكون تسعة أو بأعدادها الجفرية مائة وخمسة وتسعون أو بأعداد الأسماء الجفرية ستون وإن كان بعدد حروف أعدادها ( س ب ع خ مـ س و ن ث م أ ن ي ة ث م أ ن و ن م أ ة ت س ع ة ع ش ر و ن أ ر ب ع ة س ب ع و ن ) فتكون اثنين وأربعين في هذا المثال ، وإن كان في بحذف التكر فخمسة عشر وإن كان بحروف أعدادها الجفرية ( أ ر ب ع ة ث ل ا ث ة أ ح د أ ر ب ع ة ث مـ أ ن ي ة ث ل أ ث ة أ ح د ا ر ب ع ا ر ب ع ة س ب ع ة ت س ع ة ا ح د ا ر ب ع ة ث ل ث ة ا ح د ث ل ث ة ) ست وستون أو بحذف المتكرر فثلاثة عشر وكذلك تفعل بمحمد حتى يتطابقها وتذكرها بالعدد المطابق بينهما ومنها أن تطلب من الأسماء ما يوافق حاجتك إما في العدد أو في طبيعة الحروف ومنها أن تنظر ما بين حاجتك وبينك من عدم التوافق كأن يكون اسم أحد كما حروفه فيها التواخي والآخر فيها التناكر أو النورانية والآخر الظلمانية أو السعيدة والأخر النحسية أو الحارة والآخر الباردة وهكذا ، فتختار من الأسماء الحسنى ما يحصل به التعديل بينكما فاذكر به كما مر أو تجمع بينه وبين اسمك واسم حاجتك في شكل وتركبها كلمات وتدعوا بها عجمية كانت أو عربية بتوجه بال ملاحظا لمدلول الاسم وحاجتك حتى يتم الأمر ، ومنها أن تأخذ ما يوافق عدد اسمك من أعداد الأسماء الحسنى إما بالجمل الكبير اسما أو اسمين أو أكثر حتى يحصل العدد مثل محمد اثنان وتسعون فتأخذ حي وهاب ولي جواد اثنان وتسعون فتقرأ الفاتحة (92) وسورة ألم نشرح (92) وتذكر الأسماء الحي الوهاب الولي الجواد (92) ثم تقول يا حي يا وهاب يا ولي يا جواد صلي على محمد وآل محمد وافعل بي كذا ولاحظ حال الذكر بالحي الحياة في كل شيء وفي الوهاب والجواد العطية لكل شيء وفي الولي القيام بكل شيء ولتكن حاجتك أمام بالك حالة الذكر وقدم أمام دعائك ذكرا أنه دعاك لذلك فاستجب له ووعدك فصدقه واعلم أن القاصد إليه قريب المسافة ، قال تعلى (( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني )) فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون واعلم أنك إذا أتيت البيوت من أبوابها فتحت لك الأبواب ودخلت البيوت والطرق كثيرة منها ما نذكره في خواص الأسماء الحسنى وغيرها ، فمن خواص الأسماء الحسنى :
(الله) وهو عند الأكثر الاسم الأعظم وله تصرفات في العالم لا تكاد تحصى مَنْ داوم على ذكره في خلوة واعتكاف ظهر له في العالم تصريف لا يرد ولا يدفع أمره فيهم وإذا رسم في مربع وحمله صاحب الحمى البلغمية ذهبت عنه وكذلك يتسلط بها على غور المياه لوقتها والمربع مربع اثني عشر في اثني عشر والمراد به التكسير الكبير الذي يكون من الاسم الرباعي أربعة وعشرون اسما فيكون ثمانية في اثني عشر لا اثني عشر في اثني عشر ، وهذا مثاله
ا ل ل هـ ا ل ل هـ
ل هـ ا ل ل هـ ا ل
ل ا ل هـ ا ل هـ ل
هـ ل ل ا ل هـ ا ل
ا ل هـ ل ل ا ل هـ
هـ ل ا ل هـ ل ل ا
ل ا هـ ل ا ل هـ ل
ل هـ ل ا هـ ل ا ل
ل ا ل هـ ل ا هـ ل
هـ ل ل ا ل هـ ل ا
ا ل هـ ل ل ا ل هـ
ل هـ ا ل هـ ا ل ا

وذاكره يحصل له من صفى الباطن والنور والسر الإلهي ما يعجز عنه الواصف إلا أن ذلك على حسب الإقبال والتخلي وإن كتبه في مربع حصلت له كرامة وقبول من الخالق والخلق وعدده ستة وستون والملك الموكل بهذا الاسم يا إسرافيل و السفلى قيدوش وهذه صورته .
الثاني : (الرحمن) من داوم على ذكره دبر كل صلاة مائة مرة كان ملطوفا به في جميع أفعاله وأقواله وكذا إن كتبه في وفق وهو وفق الرحمن وعدده باعتبار اللفظ مائتان وتسعة وتسعون والعلوي ياأمواكيل والسفلي إليوش .
والثالث : (الرحيم) من اتخذه ذكرا لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه ومن كتب وفقه وحمله آمنه الله من الآفات وسهل عليه كل الأعمال وهو وفق الرحيم وعدده مائتان وثمانية وخمسون ، والعلوي يارويائيل والسفلي صيحوش .
والرابع : (الملك) من ذكره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس ألف مرة يسره الله كل مطلب له وقضى له حوائج الدنيا والآخرة ومن كتبه في وفق رزق الجاه والعزة والدولة وهو وفق الملك وعدده تسعون والعلوي يارويائيل والسفلي صيحوش .
الخامس : (القدوس) من ذكره كل يوم في وقت الزوال مائة مرة كفي شرّ النفس ووسواس الشيطان وإن كتب يوم الجمعة على كسرة خبر سبوح قدوس رب الملائكة والروح وأكلها ترّوحت نفسه كما تروحت الملائكة ومن نقش مربعه ووفقه وحمله ظهرت على نفسه آثار الانبساط والثبات والصفى وهو وفق قدوس وعدده مائة وسبعون والعلوي ياعطرائيل والسفلي نهيوش .
السادس : (السلام) من أدمن ذكره رزق الصحة والسلامة في ظاهره وباطنه ودينه وأحواله وكذا من كتبه في وفقه وهو هذا وعدده أحد وثلاثون ومائة ، والعلوي ياهمرائيل والسفلي تنيوش .
السابع : (المؤمن) من أدمن ذكر مائة وعشرين مرة كل يوم أمن من الوسواس ومن حمل وفقه فلا يقدر علي الشيطان وهو وفق مؤمن وعدده مائة وستة وثلاثون والعلوي يارويائيل والسفلي صيحوش .
الثامن : (المهيمن) من ذكره بعد الغسل مائة مرة أشرق على باطنه نور وحامل وفقه يحصل له ما طلب وهو وفق مهيمن وعدد مهيمن مائة وخمسة وأربعون والعلوي يارويائيل والصيحوش سفلي .
التاسع : (العزيز) من ذكره كل يوم أربعين مرة وكان محتاجا أغناه الله عن خلقه وكذا حامل وفقه وهو هذا وعدده أربعة وتسعون والعلوي يالوبائيل والسفلي قيوش .
العاشر : (الجبار) من أدام ذكره له خضعت الجبابرة من الجن والإنس ومن ذكره كل يوم احدى وثلاثين مرة حفظ من الجن ومن ذكره كل يوم بعدده وهو مائتان وستة ووضعه في وفقه وحمله قهر بذلك جميع العوالم وعلويه ياأكل كائيل وسفليه لويوش وهذا وفقه .
الحادي عشر (المتكبر) عدده ستمائة واثنان وستون وعلويه يارويائيل وسفليه صيحوش من أدمن ذكره بعدده وحمل وفقه كان عزيزا كبيرا في اعين الخلق وهذا وفقه وهذا وفقه .
الثاني عشر : (الخالق) من أكثر من ذكره وأدام عليه وبلغ في ذكره إلى خمسة آلاف ومائة وعشرة ظهرت له الإجابة في الحين وأي شيء أراده في ذكره ظهرت له حقيقته وعدده سبعمائة وأحد وثلاثون والعلوي يامهكائيل والسفلي ذلايوش وحامل وفقه يبلغ مرتبة عالية .
الثالث عشر : (الباري) من ذكره كل يوم مائة مرة أنزل عليه الأُنس والرحمة في قبره وحامل وفقه يكون مظفرا منصورا وعدده مائتان وثلاثة عشر وعلويه يا جبرائيل وسفليه أيوش وهذا وفقه .
الرابع عشر : (المصور) إذا كانت المرأة لا تحمل وذكرته سبعة أيام كل يوم بعدده وهو ثلاث مائة وستة وثلاثون وحملة وفقه حملت بإذن الله تعالى ، والعلوي يادوديائيل والسفلي صيحوش .
الخامس عشر : (الغفار) عدده ألف ومائتان وأحد وثمانون والعلوي يالوخائيل والسفلي غرفريوش من ذكره بعد صلاة الجمعة مائة مرة أو بعدده ويقول يا غفار اغفر لي ذنوبي غفر الله له وحامل وفقه يرزق السلامة من جميع المضار وهذا وفقه .
السادس عشر : (القهار) عدده ثلاثمائة وستة والعلوي ياعطرائيل والسفلي نهيوش من أدمن ذكره قهر أعدائه ومن ذكره مائة مرة بعد سنة يوم الجمعة وفريضتها قهر عدوه وصفى باطنه وحصل له ما طلب وحامل مربعه يظهر على مقابله في العداوة والمخاصمة وهو هذا .
السابع عشر : (الوهاب) من أكثر ذكره وهو سالك شاهد الأرزاق كيف تقسم على الخلائق ولا يسأل من أحد شيئا إلا أعطاه ولا يسأله من الله تعالى حاجة إلا نالها وهو الكبريت الأحمر وكذلك من نقشه والزهرة في شرفها وهو سبع وعشرون درجة من الحوت لا يسال الله به شيئا إلا أعطاه إياه وهذا نقشه في شرفها ووفق حروفه المربع بكذا عدد رقمه أربعة عشر إشارة بالشفع إلى الإفاضة كالجواب وعدد لفظه تسعة عشر إشارة بالوتر إلى واحد والعلوي يارقيائيل والسفلي بريوش .
الثامن عشر : (الرزاق) فعدده لفظا خمسة عشر وثلاثمائة ، ورقما ثمانية وثلاثمائة والعلوي ياأمواكيل والسفلي إليوش وهو ذكر من أذكار ميكائيل فمن ذكر يسر الله عليه طعامه وشرابه ومن نقشه على مربع والقمر في شرفه وهو ثالث الثور يسر الله عليه المقسوم من الرزق وكذا من نقشه على خاتمه وأكثر من ذكره ليلة النصف من شعبان وهذه صورته .
التاسع عشر : (الفتاح) عدده أربعمائة وتسعة وثمانون رقما ، وثمانمائة وتسعة وثمانون لفظا والعلوي يارحمائيل والسفلي تقطيوش ومن اضطر إلى حاجة وذكره بعدده بعد صلاة ركعتين ويقرأ فيهما بعد الفاتحة يـس والملك فإذا سلم ذكر الاسم بعد تكسيره بالتكسير الكبير فلا يسأل الله حاجة إلا أعطاه وتكسره وأنت صائم يوم الخميس عند طلوع الشمس في فضة هذا وفقه .
العشرون : (العليم) عدده مائة وخمسون والعلوي يالومائيل والسفلي قبيوش من أكثر من ذكره اطلعه الله على دقائق العلوم وخفيات الأسرار ومن وضعه على صفحة من زئبق معقود في شرف عطارد وهو الخامس عشر من السنبلة أنطقه الله بالحكمة وعلمه لطائف المعارف وهذه صورته ، ويسمى المثلث العيسوي ومن نقشه في فضة والمشتري في شرفه وهو الخامس عشر من السرطان أو المشتري في بيته وهو الحوت والقوس رزقه الله الفهم في علوم الشريعة ويصلح ذكرا لمن كان اسمه عيسى وهذا وفقه .
الحادي والعشرون : (الباسط) من نقشه على خاتم في ساعة الزهرة من نهار الجمعة وهي ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وتختم به كثر فرحه وسروره وزوال همه وغمه وأحبه كل من رآه وإن واضب عليه صاحب حال بسط الله عليه في رزقه الظاهر والباطن وأحيى قلبه بنور العلم وهو من أفكار اسرافيل وعدده اثنان وسبعون والعلوي ياجبرائيل والسفلي أيوش وله مربع جليل فيه مثلث عددي وإذا كانت الزهرة في شرفها فهو أكمل وهذه صورة المربع .
الثاني والعشرون : (القابض) عدده تسعمائة وثلاثة والعلوي ياعطرائيل والسفلي نهيوش من أكثر من ذكره غلب عليه الجلال والهيبة ولا يطيق أحد مجالسته ومن وضعه في صفحة رصاص أسود وزحل في شرفه وهو الحادي والعشرون من الميزان أو في بيته وهي الجدي والدلو وذكره بعدده وقال (اللهم اقبض على فلان قلبه وسره استجيب له لوقته) وهو من أذكار عزرائيل وهو سر لقبض الأرواح وله مربع شريف في فعله ، وصورته هذا .
الثالث والعشرون : (المعين) عدده مائة وأربعة وعشرون من ذكره أصلح به كل فاسد واسترجع به كل ذاهب وإذا وضع في مربع أربعة في أربعة بسير التداخل بطالع أحد البروج المنقلبة وهي الحمل والسرطان والميزان والجدي وعلق في مهب ريح وأقام الإنسان يتلو الاسم طول ليلة على آبق أو مسافر رجع إلى المكان الذي خرج منه بإذن الله وهذه صورته .
الرابع والعشرون : (الأحد) عدده ثلاثة عشر إذا أكثر من ذكره سالك استأنس بالوحدة واستوحش من الكثرة وهو يصلح لأصحاب الفناء المستغرقين في عين الجمع المستهلكين في بحار التفريد إذا ضربت الثلاثة عشر في ثلاثة وذلك عدد حروفه كانت تسعة وثلاثين فإذا وضعت في مثلث في صحيفة من رصاص وزحل في شرفه وهو الحادي والعشرون من الميزان أمن حامله من صولة المعاند وقوى به على جميع عوالمة المخالفة له وهذه صورته .. ومن وضعه في خاتم حديد والقمر في أحد البروج الثابتة وهي الثور والأسد والعقرب والدلو أعانه على الجماع إعانة عظيمة وعدده بعدد حروف صورة التوحيد لأنه معنى الأحدية وهو رتق لا فتق فيه وللسورة مربع خمسة عشر في خمسة من وضعه في رق ظبي في ليلة النصف من شعبان نال به الجاه والرفعة عند جميع الناس ولا يقع عليه بصر أحد إلا أحبه مهابة فهو من الأسرار الشافية والأنوار الصافية الجُنة الواقية والجنة الباقية وقطبه يشير إلى الحجر المكرم وهذه صورته .. فتدبر فإنه من أعظم الأوفاق فائدة وأتم الأذواق عائدة ومن وضعه في شرف المريخ وهو الثامن والعشرون من الجدي كان منصورا في جميع حركاته وسكناته القولية والفعلية يوضع للرساء والفلاحين في شرف زحل وهو الحادي والعشرون من الميزان وله من الأيام يوم السبت في الساعة الثانية والقضاة والعلماء في شرف المشتري الخامس عشر من السرطان وله من الأيام يوم الخميس في الساعة الرابعة وللأمراء والجند في شرف المريخ وله من الأيام يوم الثلاثاء وللملوك والسلاطين في شرف الشمس التاسع عشر من الحمل ولها من الأيام يوم الأحد أول ساعة وللنساء والغلمان في شرف الزهرة السابع والعشرون من الحوت ولها من الأيام يوم الجمعة الساعة الأولى والوزراء والحساب في شرف عطارد الخامس عشر من السنبلة وله من الأيام يوم الأثنين الساعة السابعة .
الخامس والعشرون : (الصمد) عدده مائة وأربعة وثلاثون فمن أكثر من ذكره قلّ افتقاره إلى المعاني الكونية وإذا أكثر من ذكره صاحب حال صادقه رجعت حوائج الخلق إليه وخلوته أربعون يوما لا نوم فيها بليل ولا فطر بنهار ومن أكثر من ذكره استغنى به عن الغذاء غنى تاما وله مربع جليل وهذه صورته .. ومن نقش صمد في صفيحة رصاص وعلقه عليه أمن من الاحتلام في منامه ما دام معلقا عليه ومن كتب الصاد منه تسعون مرة وعلقه من يشتكي الصداع في عصابة وعصب بها رأسه برأ ، وإن كتب الاسم ومحاه بِزَيتْ وسقى منه ملسوعا برأ من ألم السم .
السادس والعشرون : (السميع) من أكثر من ذكره في آخر كل دعاء استجيب له ، ومن نقشه على خاتم فضة والقمر في شرفه يعني في ثالث الثور كما مر وأكثر من ذكره كما مسموع القول عند جميع الناس ويصلح ذكرا للخطباء والوعاض وهذه صورته ومن نقشه في مثلث كان ذا فقه وعلا عند الناس قبلت كلمته بين الخاصة والعامة وظهر على أعدائه وهذه صورته .. .
السابع والعشرون : (البصير) قال البوني أما البصير والسميع فذكر جليل القدر من نقشه في وقت صالح وألقاه على مصروع أفاق من ساعته بعد أن يذكر الاسم سبعمائة مرة وإن نقشه على خاتم من شمس والشمس في شرفها وتختم به سمع لغات الجن وانقادت له الأرواح إلى كلمته هذه صورة وضعه .. ، ومن كتبه على قرطاس أحمر وألقاه في سمعه فتح الله سمعه ورزقه الحفظ والفهم ومن ألقاه في دهن ورد ، ودهّن منه من به علّة في سمعه عوفي منها بإذن الله وهذه صورته .. .
الثامن والعشرون : (المقتدر) من علقه على سفينة أمنها الله تعالى من العطب ومن ذكره أربعين مرة أمن كل بلاء وله مخمس يوضع بسر التداخل فتأمله ، من علقه عليه فتح عليه أسرار ذلك الاسم وإن علق على فرس سبقت غيرها وهذه صورته .
التاسع والعشرون : (الحي القيوم) من نقش هذين الاسمين عند طلوع الشمس يوم الجمعة مستقبل القبلة على طهارة وذكر أحيى الله ذكره ، وإن كان حامل الذكر وأحيى الله رزقه وإن كان قليلا وقس عليه صورة نقشه ومن ركب وفقه مائة وأربعة وسبعين وحمله شاهد ذلك وهذه صورته .. ، ومن وضع وفقه وهو مائة وأربعة وسبعون في مربع خمسة وأودع باطنه اسمه تعالى حفيظ والزهرة في شرفها أحيى الله قلبه وحسن خلقه ووسع رزقه ويسر عسره ونور قلبه ولا يقع عليه بصر أحد إلا أحبه ومن كتبه على شيء كان محفوظا ويكون قطبه اسم الله الأعظم ويكون محروسا في نفسه وماله وأهله ولا يسال شيئا إلا أعطاه من عرف قدره استغنى به عن غير وهو هذه .. ومن التكسير من هذين الاسمين هذه الكلمات المنظومة من تكسير اثنين وأربعين حرفا بعد تداخل التكسير فإن نظمت جاء كلمات توازي الكلمات المعجمة ، فإن أضيفت إلى الوفق العددي ظهر الفعل على أتمه وقس على ذلك ما تريد من الأسماء تجمع بين خواص الحروف وضروب التكسير لأنه امتزاج طبائع الحروف بعضها ببعض بسر التداخل وبين خواص الأعداد في ترتيب طبائعها التي أودعها الله وهو فعلها الخاص بها ثم بين الذكر العربي الدال على معنى الحياة في كل شيء والقيومية في كل شيء ولنقبض العنان فللحيطان آذان ((وتعيها أذن واعية)) .
أقول : والطريق في ذلك على ما ذكره علماء هذا الشأن هو أن تكسير الحي القيوم على هذه الصورة ا ل ف ل ا م ح ا ي ا ا ل ف ل ا م ق ا ف ي ا و ا و م ي م فإذا أسقطت المكرر من الحي بقي ستة أحرف ا ل ف م ح ي وإذا أسقطت المكرر من القيوم بقي سبعة أحرف ا ل ف م ق ي و ومن ضرب هذه السبعة في تلك الستة يحصل اثنان وأربعون حرفا هذه صورة جدولها فتدبره تفز بحض وافر مما فهمه العلماء الربانيون والحكماء الروحانيون ، وقولنا بعد تداخل التكسير أعني إسقاط المكرر منها تبقى سبعة عشر حرفا ا ل ت ح ك ل م و ي خ ز س ش ص ض ع ف ق ويخرج من هذه الحروف تسعة وعشرون اسما من الأسماء الحسنى وهي ( الحي ، الحليم ، الحق ، الحفّ ، الخلاق ، الرحيم ، الرؤوف ، السلام ، الخافظ ، الشافي ، الشكور ، المصور ، المظل ، المحصي ، الضار ، الكريم ، الحكيم ، الغافر ، الغفار ، والغفور ، الفتاح ، القيوم ، القوي ، الكافي ، الملك ، مالك الملك ، الوكيل ، الوالي ، الوفي ) بعدد حروف المعجم وهي التي أراد بقوله توازي الكلمات المعجمة والمعتبر خروجه من الأسماء هو هذا العدد ، وهذا بيان بديع ونبا رفيع .
الثلاثون : (الملك القدير) وإنما ذكر الملك هنا مع أننا ذكرنا سابقا لوضعه مع القدير وظهور خاصية الجمع ومن نقشه والقمر في شرفه على لوح من فضة ووضعه في أعلا دار الملك فإن ملكه يخلد عليه مدة حياته ولا يرى فيه تضعضعا وصورته ذلك .. .
الحادي والثلاثون : (المتعال) فمن أكثر من ذكره لا يعاني أحد من الأمور إلا علاه ويصلح لمن يتعرض لمخاصمة أو لمحاكمة ومن وضع مربعه وهو من رصاص وزحل في شرفه أو في بيته كما مر وذكر الاسم بعدده قهر به كل مقام وهو من الأسماء الجليلة وهذه صفته .. .
الثاني والثلاثون : (الحفيظ) عدده تسعمائة وثمانية وتسعون وهو اسم سريع الإجابة للخائف في الأسفار ، لا يزال يذكره في مواطن الخوف وغيرها من المخاوف فلا يريه الله ما يكرهه ومن نقش في خاتم فضة وجعل عدده وفقا وتكسيره حروفا في باطن الخاتم وحمله معه لو نام في مسبعات الأرض ما ناله ما يكرهه ويزيده بعده يا حفيظ احفظني ، وهذه صورة مربعه .. وله مربع يوضع بسر التداخل في شرف الشمس ليكون منه لحامله الحفظ من كل ما يكره وهذا هو .. .
الثالث والثلاثون : (النور) عدده ستة وخمسون ومائتان من أكثر ذكره نور الله قلبه وله مربع جليل القدر يوضع في شرف الشمس فيفيد ملكا دائما اسمه نافع ونور في مربع على هذه الصورة سر الحياة باطنا والملك ظاهرا وهو هذا .. .
الرابع والثلاثون : (الرؤوف) من جمع بين مربعه الحرفي ومربعه العددي والزهرة في شرفها كان محبوبا عند جميع الناس وهذه صورته .. .
الخامس والثلاثون : (الكريم) عدده مائتان وسبعون من نقشه في مربع أربعة في أربعة بسر التداخل والقمر في شرفه على خاتم فضة وتختم به وسع الله عليه رزقه وخلقه ونفعه بأسراره ومتعه بأنواره إذا أدام ذكره كل يوم بعدده وهو هذا .. وقيل من نقشه في ساعة الزهرة من يوم الجمعة على فص زمرد وجعله في خاتم بعد ذكره تسعة وثمانين ومائة مرة وتختم به ثم ذكره مائة مرة وخرج من بيته لابد أن يجد من يعطيه شيئا ، ولو خرج في النهار مائة مرة واعلم أن أعداد الحروف أشباح ومن جمع بين الأعداد والحروف في مربع واحد كان أقرب وأسرع وهذه صورته .. .
السادس والثلاثون : (ذو الطول) من كتب سبع مرات في سابع ساعة من السابع من الشهر بنية ما يرومه ويدوم على ذكره على طهارة يسر الله عليه بلوغ مرامه وإذا وضع في مسبع حرفي على رق طاهر بزعفران وألحق به المسبع العددي يوم الجمعة أول ساعة منه أو في الثامنة فرج الهم وصلح الألفة واطلاق المسجونين وهذه صورته .. .
السابع والثلاثون : (الغني) من استدام على ذكره كثرت عليه أسباب الدنيا ووسعت عليه أرزاقها وكذلك من كتبه وعلقت ربحت تجارته وعدده اللفظي 1070 أو الرقمي 1060 وله مربع كثير النفع في ذلك وهو هذا .. .
الثامن والثلاثون : (المغني) عدد إحدى عشر مائة له مربع جليل يوضع في شرف زحل أو في شرف الشمس التاسع عشر من الحمل من حمله معه وذكر الاسم بعدد حروفه ثم قرأ سورة والضحى بعده وقال عقيب ذلك ( اللهم يسر عليَّ في اليسر الذي يسرته على كثير من عبادك وواضب على ذلك أربعين يوما أرسل الله إليه من يعلمه الحكمة أما في منامه أو يقظته ، من نقشه على خاتم والزهرة بالميزان وتختم به أحبه من يراه ومن ذكره كل يوم إحدى عشر مائة مرة وأحد عشر وهو عدده مع حرف النداء أغنى الله فقره وكشف ضره لا يسال الله شيئا من الأسباب إلا أعطاه ما سأل فإن واظب على ذلك كان مستجاب الدعوة وهذا صورته .. .
التاسع والثلاثون : (الودود) .
الأربعون : (الحبيب) من وضع اسمه الودود واسمه الحبيب في مثلث مركزه (جواد) في باطن مربع ستة وتسعين وهو السؤال إذ الحبيب الودود هو السؤال لا يقع عليه بصر أحد إلا أحبه ومن أراد وضع هذا الشكل العظيم القدر فليضعه في الساعة الأول من يوم الجمعة والزهرة في شرفها ثم يواظب على ذكر هذه الأسماء فإنه يرى العجب العجاب وهذه صورته .. .
الحادي والأربعون : (اللطيف) عدده مائة وتسعة وعشرون من أكثر من ذكره كان ملطوفا به في جميع أموره ووسع الله عليه المقسوم من الرزق ألا ترى أنه يناسب اسمه (معطي) وذكره (عبد الحبيب) مشير إلى اسمه موسع وهذه صورة وضعه وهو ذكر صالح لمن كان اسمه صالحا لمساواته له ومن وضع مربعه على خاتم فضة بوضع سر التداخل والقمر في شرفه ما تختم به مكروب إلا وجد برد اللطف والإجابة ومن اشتد به مرض أو كان مقهورا تحت سلطان طبعه وأحكام عاداته وأكثر من ذكره يسر الله عليه الخلاص من ذلك وهذه صورة وضعه المذكور ومن كتب مرة في جام ومحاه بماء وعسل وسقاه من به مرض عافاه الله ومن جمع بين مربعه الحرفي والعددي في مربع واحد كان أسرع للإجابة هذه صورته .. .
الثاني والأربعون : (الواسع) من أكثر من ذكره وسع الله عليه رزقه وخلقه وعلمه واتسع له في الأجل وهذه صورته .. .
الثالث والأربعون : (الشهيد) يصلح ذكرا لمن يطلب الشهادة ولمن يطلب المشاهدة وصورة مربعه هكذا .. .
الرابع والأربعون : (نعم المولى ونعم النصير) من أكثر من ذكره كان منصورا على أعدائه في جميع حركاته وسكناته ولا يسأل الله به إلا أعطاه الله ما سال .
الخامس والأربعون والسادس والأربعون : (القوي والمتين) من رسمها على علم والمريخ في شرفه كان منصورا على عدوه في الحرب وكان قادرا على طرده ومن رسمها على طرف عمامة والشمس في شرفها وتعمم بها كان مهابا عند الخاصة والعامة ومن نقشها في لوح من حديد والمريخ في شرفه انقادة الملوك إلى كلمته فافهم ذلك ، هذه صورته .. .
السابع والأربعون : (الوارث) من أكثر من ذكره وهو طالب أمرا بيد غيره أورثه الله إياه غما لغنى غيره عنه أو لتبصيره عن القيام به وهو ذكر يصلح للأكابر المستخلفين وأرباب الوراثة وأما مربعه فعلى هذه الصورة ..
الثامن والأربعون : (الباعث) يصلح لمن ضعفت عزيمته عن أمره ومن أكثر من ذكره انبعث على كل خير وهو استيلاء الحياة والصحة على الأبدان وحفظ القوى فإذا أردت ذلك فاتخذ ثيابا نظيفة ودخِّن بعود ومسك وقرنفل واتلُ الاسم على خلو معدة وطهارة قلب إلى أن يحصل لك منه حال فإن الله يمدك بالقوة ويبعثك على أفعال الطاعة وهذا مربعه العددي والحرفي .. .
التاسع والأربعون : (المنتقم) من أكثر من ذكره ثم دعا على ظالم أخذ لوقته وهو من الأسماء القهرية التي هي من أذكار عزرائيل وله مربع جليل يوضع في مربع عددي محيط به مربع حرفي مخمس إذا كان المريخ في شرفه لا يحمله مظلوم بعدد حروفه إلا انتصر به على ظالمه في الحال ، ومن وضعه وفي صحيفة من حديد في ساعة المريخ من يوم السبت وهي الساعة الرابعة وأخذ في ذكره سبعمائة وثلاثين مرة وهو ينظر إلى الشكل نظر جلال ثم دعا على ظالم أخذ لوقته وهذه صورة الشكل .. .
الخمسون : (التواب) من وضعه في مربع على هذه الصورة والقمر في زيادة آمنه الله مما يخاف ويسير عليه التوبة وبدل سيئاته حسنات وأعانه على الوفاء بالعهد وقربه وأدناه وألهمه لطائف الحكمة فتدبره ففيه أسرار عجيبة لمن كان له ذوق من الحكمة الإشراقية التي لا يطلع عليها إلا آحاد المتألهين .. .
الحادي والخمسون : (الوكيل) من أكثر من ذكره أغنى الله فقره وشرح بنور التوكل صدره وله مربع خمسة في خمسة من نقشه في حجر من رخام والطالع العقرب وجعله في داره لم يبق حية ولا عقرب ولا شيء من الهوام المضرة إلا خرجت منها بإذن الله تعالى وهذه صورته .. .
الثاني والخمسون : (الهادي) قال بعض علماء هذا الفن هو ذكر يصلح لكل سالك في المعركة ما دام متخلصا إلى نور وهو من الأسماء التي ليس لها مربع فإذا أريد إدخاله في مربع وضعت أسماء حروفه على هذه الصورة هي ا ء ا ل ف د ا ل ي ا ء ويصلح ذكرا لمن كان اسمه (عبد الهادي) ومن أضاف إلى الهادي العليم والخبير والمبين وتلا ذلك مائة مرة وقال في آخر تلاوته يا هادي اهدني إني كذا يا عليم علمني كذا يا خبير خبرني بكذا يا مبيِّن بين لي كذا وسمى ما شاء من أمر ثم نام اطلعه الله في نومه على ذلك .
الثالث والخمسون : (الخبير) يصلح ذكرا لمن أراد أن يطلع على خفي أمر في نوم أو يقظة ومن وضعه في مربع وعطارد في شرفه اطلع به على علوما جليلة وهذا هو ..
الرابع والخمسون : (ذو الجلال والإكرام) من نقشه في صندوق أو باب دار في ساعة المشتري من نهار الخميس وهي الخامسة كان محفوظا من السر والسارق ، ومن أراد أمرا من الأمور فليكثر من ذكره يرى العجب العجاب .
الخامس والخمسون : (المذل) من نقش وفقه أو ساعة من يوم الأحد وذكره بعدده بنية ظالم أو حاسد وهو حامل للوفق ذلَّ له وكفى شره وهو هذا .. .
السادس والخمسون : (الحكيم) من كتب وفقه في رق ظبي أو ساعة من يوم الأحد وحمله وهو يديم ذكره كل يوم ثمانية وسبعين مرة علمه الله الحكمة وأشرقها على قلبه إذا ذكره بحضور قلب وهذه صورته .. ، ومن ذلك اسم باسط من وضعفه في مربع تسعة في تسعة بالحروف ونقش في كل بيت منه باسط في رق طاهر بمسك محلول بماء ورد وزعفران في تاسع ساعة من يوم الأحد وحمله معه أمن من التعب إذا مشى ومن ألم الجوع وقهر الجبارين وطهر الله باطنه من الأخلاق الردية والأدناس البشرية ، وهكذا في جميع الأسماء مما لم نذكره ومما ذكرنا بعض خواصه وأعماله ما هو مذكور في محله .
قال سلمه الله تعالى : وفي أوراد الملائكة بها .
المراد بالملائكة ملائكة الأسماء المستخرجة أسمائهم من الأسماء ، مثلا إذا أردت استخراج ملائكة وهاب فخذ عدده وهو أربعة عشر واستنطقه وزد عليه الملحق فيكون ديائيل وهو الملك الأول ثم تضرب العدد في نفسه فيكون مائة وستة وتسعون وتلحقه بالملحق فيكون وصقائيل وهو الملك الثاني ثم تكعبه بأن تضرب عدد الأول في عدد الثاني وتتبعه في الملحق فيكون دمذغغائيل وهو الملك الثالث فإذا أردت الخليفة على الثلاثة فتجمع المراتب الثلاث وتستنطقه وتلحقه بالملحق فيكون دنظغغائيل وهو الملك الخليفة على الثلاثة وإذا أردت الرئيس الحاكم عليهم فكعب عدد الخليفة والمستتنطق من التكعيب هو الملك الأعظم والجميع تحت طاعته وهو الملك الذي كتمه هرمس ورمزه ولم يصرح به فافهم فقد صرحت به .
واعلم أن ورد الملائكة مذكور في محله يختص كل بورد يجمعها الاسم الجامع لهم وهنا ورد خاص وهو ذكر الاسم بعدد الملك فتذكر الوهاب مثلا أربع عشرة مرة للأول ومائة وستة وتسعين للثاني وألفين وسبع مائة وأربعا وأربعين للثالث وألفين وتسعة مائة وأربعة وخمسين للخليفة وللرئيس بعدده وتذكر عند كل رتبة من عدده اسمه واسم صاحب تلك الرتبة ملاحظا معنى البديع والرحمن والباعث والباطن غائبا فانيا بحاجتك في ظهور الذات الحق بهذه الأركان الأربعة في كل شيء فيتحقق الأثر عند تمام تلك الجمعية بلا مهلة فافهم معنى الإبداع في أوراد الملائكة ، هذا جهة من جهات كثيرة .
قوله وفي الاسم الناقص عن المائة وما يشير إليه وكيفية استجابة الدعاء بالاسم المشار إليه بالاسم الأعظم لانا فهمنا منك الإشارات ولا أحببنا التصريح لأن أهل دهرنا لا يحتملون ذلك وإن احتملوه لا يكتمونه وإن كتموه استعملوه فيما لا يحل لهم .
اعلم أن المراد بالاسم الناقص عن المائة على الظاهر في الظاهر هو (هو) لأنه أبعد الأسماء عن المشاركة بين الذات والصفات إذ ليس فيه إلا مفاد الهاء وهو محض الإشارة إلى الثابت ومفاد الواو وهو الامتناع عن الإدراك ويحصل به تمام المائة حيث كانت الأسماء الحسنى تسعة وتسعين وتمام الاسم الأعظم لأنك إذا أفضت إلى عدد الأسماء الحسنى وهو تسعة وتسعين عدد حروفه وهو أحد عشر كان مائة وعشر أو هو عدد الاسم الأعظم وهو (العلي العظيم) وعلى ما هو الحق في الباطن هو معنى هو الذي كان اسمه المعروف لدى جميع الخلق عدده مائة عشر الدال على عدد الجميع بعدد اسمه وعلى الحيطة بالكل بمعناه حيث الله يقول ((ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم)) وذلك هو معنى الأسماء الحسنى كلها ومعنى (هو) و(هو) معنى الله سبحانه الذي أشار إليه علي بن الحسين عليه السلام في قوله لجابر ( ثم معرفة المعاني ثانيا ) وهذا جواب قوله سلمه الله وما يشير إليه وأما كيفية استجابة الدعاء فإن تعرف الواحد ثم معناه ثم بابه فتلحظ فقرك لحاجتك فتقصد بابه وتدعو واحدا طوى بوحدته ذاتك وحاجتك وقصدك ودعائك فيظهر معناه من بابه بحاجتك من بابها وإلى هذه المراتب الثلاث أشار إليه علي بن الحسين عليه السلام في الحديث المشار إليه سابقا بقوله ( المعرفة إثبات التوحيد أولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الأبواب ثالثا ) .
وقولكم ولا أحببنا التصريح إلى آخره .. .
اعلم أن الاسم الأعظم على أحوال فأما الاسم الخاص الأكبر فإن الله تعالى سره عما سوى أوليائه المعصومين لئلا يبطل النظام لو وصل إلى غير المعصوم ولا كلام لنا فيه لعدم علمنا بتركيبه وإن كان موجودا في الحروف النورانية وأما غير الاسم اللفظي فمنها ما يحصل بالحال الصادقة كما يظهر للمرتاضين بأذكار الأسماء ومنها بتصفية الباطن والتجافي عن دار الغرور وترك الشواغل فلا يكون بينه وبين الله حجاب ( ما زال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ) الحديث ، ومنها ثمرة العلم بالله وصفاته وأسمائه فيدعوه بها ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)) وهو الذي أشرنا إليه هنا فأهل زماننا فاتتهم المراتب الثلاث فهم لا يحتملونه البتة وإن شرحت لهم الحال لم يفهموا المقال ((سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)) .
قوله : وكذلك الإشارة إلى البسط والتكسير والمزج والوضع في بيان الوفق على حسب الإمكان .
أما البسط فله أقسام بسط حرفي وبسط عددي وبسط التضارب وبسط الترفع وهو ثلاثة أقسام ترفع حرفي وترفع عددي وترفع طبيعي وبسط طبيعي وبسط غريزي وغير ذلك فالبسط الحرفي مثلا في محمد { م ي ح ا م ي م د ا ل } والعددي من الزبر والبينات مثل بعض ذلك أربعون ثمانية أربعون أربعة فقد يراد من الأول { م ي ح ا د ل } أو أحد عشر أو ستة ، ومن الثاني { ا ر ب ع و ن ث م ن ي ة } أو ثلاثة وعشرون أو أحد عشر أو أعداد حرف الأعداد أو اثنان وتسعون من الزبر أو من البينات مائة واثنان وثلاثين ويتصرف في كلّ بما يقتضيه الداعي وبسط التضارب كأن يضرب عدد الحرف في نفسه أو في آخر أو في مرتبة فيستنطق حتى يتولد من الاسم اسم آخر أو أسماء ويتصرف فيها كذلك أو ضرب حرف من حروف الطالب في حرف من حروف المطلوب واستحصال الحروف الأخرى المستنطقة للحال الضرب والترفع العددي رفع كل حرف من حروف المطلوب مثلا من رتبة إلى ما فوقها وأخذ سميه من تلك المرتبة العليا كرفع ميم محمد إلى المئات فتأخذ التاء والحاء إلى العشرات فتأخذ الفاء والميم الأخرى كذلك تاء والدال إلى العشرات فتأخذ الميم فمحصل ذلك (تفت) والترفع الحرفي أخذ الحرف الذي يلي حرف المطلوب من الحروف الأبجدية فمثلا محمد يأخذ للميم نون وللحاء طاء وللميم نون وللدال هاء فيكون (نطنه) والترفع الطبيعي أن تأخذ للحرف الترابي حرفا مائيا وللمائي رياحيا وللرياحي ناريا وتترك الناري بحاله فمثلا محمد الميم ناري والحاء ترابي وكذا الدال فتترك الميم بحالها وتبدل الحاء بالزاء والدال بالجيم فتقول (مزمج) والبسط الطبيعي عبارة عن كون كل حرف من الحروف النارية طالبا للحروف الرياحية التي في درجته والرياحية تطلب المائية والمائية تطلب الترابية وهذا بدون ملاحظة الحروف بدرجاتها هو الطبيعي وإذا لوحظت فهي الغريزي وغير ذلك كبسط التواخي والتجامع والتقوي والتكسير قد يستعمل في البسط الابدالي بقول مطلق في تغيير الأحوال وتبديلها كالعلوية بالسفلية وبالعكس والنورانية بالظلمانية وبالعكس والمتصلة بالمنفصلة وبالعكس والروحانية بالجسمانية وهو النورانية بالظلمانية وبالعكس والصمدانية بالمجوفة والنهارية بالليلية وبالعكس فيهما والنهارية هي التي للكواكب النهارية زحل والمشتري والشمس وعطارد إن كان مشرِّقا والليلة هي الكواكب الليلة الزهرة والمريخ والقمر وعطارد إن كان مغرِّبا ، فلزحل (صتض قثظ) وللمشتري (رخغ فشذ) وللشمس (طمف) وللعطارد (نيص جزك) وللمريخ (لعر أهط) وللزهرة (بوي كسق) وللقمر (دحل) وكذلك أبدال الصامتة أي المهملة بالناطقة أي المنقوقة والسعيدة أي المهملة القاف والياء والنون لأنها من الحروف النورانية بالنحسية أي المنقوطة بثلاث واثنتين وبالممتزجة أي المنقوطة بنقطة والشرقية وهي النارية بالغربية وهي الهوائية والشمالية وهي المائية والجنوبية وهي الترابية بعضها ببعض وفي كلها بالعكس وهذا بحر لا ساحل له عثر العلماء على كثير من أسراره وكتموا كثيرا مما علموا والذي جهلوه أكثر ((وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)) وأما التكسير فله طرق والغاية منه مزج حروف الطالب وحاجته والمطلوب منه لتحصل منه كلمات معنى كل كلمة هو الرابطة بين الطالب والمطلوب وحاجته المستلزمة لفعل الفاعل الغني وانفعال المحتاج بالحاجة واستغناؤه بالغنى وهو التكسير وله ثلاث مراتب صغير وأوسط وكبير ، فالصغير أن تبسط حروف الاسم متفرقة ثم تأخذ آخر السطر وتضعه أو الثاني وأول السطر الأول ثاني الثاني وما قبل الآخر ثالث الثاني وهكذا ، ثم تعمل في الثالث من حروف الثاني كذلك مثاله .. . ، وأما التكسير المتوسط أن تضع المربع بعدد حروف الاسم وتبسط حروفه في السطر الأول مفرقة وتضع الحرف الأول من السطر الأول في بيت فرسه من السطر الثاني ثم تمم السطر الثاني على الترتيب وتبتدأ في الثالث بأول السطر الثاني تضعه في بيت فرسه من الثالث وهكذا حتى ينتهي العمل إن كان الاسم فردا وإن كان زوجا كان مرة واحدة في آخر السطر بسير الفرزان مثال الأول وهو المشي في التكسير المتوسط بسير الفرس الخاص في الفرد وأما التكسير الكبير فأن تضع حروف الاسم منفصلة في السطر الأول فإن كان ثلاثيا فتنقل الحرف الأول إلى أول السطر الثاني والثالث من الأول إلى الثاني من الثاني والثاني منه إلى الثالث من الثالث وهكذا وإن شئت وضعت الثالث من الأول في أول الثاني والثالث في الثاني من الثاني والأول من الأول في الثالث من الثاني وهكذا مثال الأول ومثال الثاني فيكون من الاسم الثلاثي ستة أسماء وإن كان الاسم رباعيا كان منه أربعة وعشرون اسما وإن كان خماسيا كان منه مائة وعشرون اسما وهكذا والضابط أن تضرب عدد حروف الاسم في عدد الصور الحاصلة من الاسم الذي أقل منه بحرف فيحصل من الثنائي صورتان ومن الثلاثي المضروب الثلاثة في الاثنين فيكون ستة ومن الرباعي مضروب الأربعة في الستة من الخماسي مضروب الخمسة في الأربعة والعشرين وهكذا ، وأما أسرار ذلك وخواصه فمذكور في الكتب القوم من أرادها طلبها .
قال سلمه الله : الثالثة ما تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور ؟ وما معنى الحروف الهجائية الأبجدية من الألف إلى الياء ؟
الجواب : اعلم أن الحروف المقطعة في أوائل الصور هي الحروف النورانية على اصطلاح علماء الجفر وهي أربعة عشر حرفا تجمعها قولك (صراط علي حق نمسكه) وهي الحروف السعيدة وباقي الحروف سواها ظلمانية منحوسة وفيها من كل نوع من الحروف نصفه من المهموسة خمسة ( الصاد والحاء والسين والكاف والهاء ) والمهموسة عشرة ، ومن المهجورة نصفها تسعة ( ل ق ر ا ن م ط ي ع ) وكذلك الشهيدة والقلقلة والمذلقة وسائر الصفات المذكورة في متب أهل التجويد وهي أي الحروف النورانية المقطعة أوائل السور أربعة عشر حرفا بعدد منازل القمر الطالعة ، والظلمانية أربعة عشر عكسها بعدد المنازل الهابطة ، وإنما كانت أربعة عشر لأنها متضمنة للمبادئ الأربعة التي دار عليها الوجود ( الخلق والرزق والحياة والممات ) من فوارة النور واستواء الرحمن على العرش بإعطاء كل ذي حق بمسألته حقه من غير استحقاق من الخلق لشيء من مسألته وعطيته وإنما وهبهم ما سألوه من نعمه فهو الوهاب الجواد ، الوهاب اربعة عشر والجواد أربعة عشر و (يد) المعبر عنها بالقدرة وبالنعمة أربعة عشر فظهر هذا العدد الشريف في هذه الحروف الشريفة لكونها قرينة لقصبة الياقوت وأبوابا للملك والملكوت والجبروت وسرا مقنعا بالسر من اللاهوت ، واعلم أن الحروف في أصل خلقها لم يكن لها معنى إلا أنفسها ولذلك صدر كل حرف في اسمه ليسهل فهمه ولإتحاد الاسم والمسمى في الجنسية والنوعية إلا الهمزة صدرت بالهاء لقربها منها وللفرق بينها وبين الألف اللينية ولأن الهاء مجاز الألف المتحركة والمتحركة مجاز اللينية والمراد بالمجاز الطريق في تولد الحرف عند القرع أو القلع أو الضغط من النفَس بفتح الفاء الذي هو مظهر النفس بسكون الفاء وهو أي النفس المعبر عنه بالألف اللينية السارية في الحروف بالقيومية وهي الألف الأولى وأما الألف اللينية الثانية التي هي من الحروف التسعة والعشرين الظاهرة في مثل ( قال و قائل ) فهي أعلى وجوه الأولى ومظاهرها ، وأما الواو والياء إذا كانتا لينتين لحقتا بهذه عند الخلوص من شرك المخرج وامتزجتا بها وتمتزج هي بتلك معها لأن هذه لا تمسها حركة لأن الحركة كثرة والواو والياء حالتان ففي حالة اللين تنمحق أنيّتهما في هذه وتنمحق هي بما فيها في الأولى فافهم ضرب المثل ، قال الله تعالى ((وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)) وأما معناها فعلى أنحاء كثيرة منها ، اعلم أن الحروف على ثلاثة أقسام ( ملفوظ ومكتوب ومسرود ) فالأول منها ما كان اسمه ثلاثة أحرف وكان ثالثها هو أولها مثل ( ميم و نون و واو ) والثاني ما كان اسمه ثلاثة مختلفة يعني ليست معطوفة الأعجاز على الصدور ، والثالث ما كان اسمه حرفين فالأول ميم نون ، فالحرف الأول في أول سورة والثاني في آخر سورة إشارة إلى الأول والآخر فالأولى سورة البقرة الصفراء والثانية سورة نون بهموت فأشير بهما إلى حامل العالم العلوي وحامل العالم السفلي يعني الغيب والشهادة مجموعهما إشارة إلى أن كل شيء من فيضه لأنهما حرف صاد وهو البحر الذي تحت العرش حين قال له ( ادن من صاد ) وهو مداد القلم وكان ذلك حرفين ليُسَمَ بدأ الخلق بالإثنينة ((ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)) والثاني الذي هو المكتوب سبعة ( ألف لام صاد كاف عين سين قاف ) فأشير بالسبعة إلى طواف الأسبوع لكمال الصنع والمصنوع وهي أحد وعشرون حرفا بعدد حروف الفاتحة بعد حذف المتكرر إشعارا بتضمن السر ولظهور صفة الكمال في الثلاثة العوالم لأن كل واحد من هذه السبعة الأحرف جبروت وملكوت وملك ، فدارت الأصول عليها وتناهت إليها ونسب إلى كل واحد منها وادح من السيارة ويوم من الأسبوع والثالث وهو المسرود منها خمسة ( را ها يا طا حا ) إشارة إلى الهاء وهي أقل الأسماء وأظهر الإشارات وأخفاها إذ ليس بعد حذف الإشارة إلا المسمى وإنما قلنا أقل الأسماء لأن الهاء تثبيت الثابت بعد محو الموهوم وآخره مدلول الهاء من حيث وقوعها عليه المستدل بها من حيث وقوعها منه ويشار بها إلى الغيب والشهادة وهذه الخمسة كل منها مثنى غيب لغيب وشهادة لشهادة فالخمسة للهاء وهي الليلة المباركة فإذا أشبعت ظهرت مع التسعة والتسعين بعدد الاسم الأعظم فهي في المخرج أول وباطن وابنها المتولد منها آخر وظاهر فهو الأول والآخر والظاهر والباطن ، فالهاء في عالم الأمر تشهد بالبقاء وابنها بالسرمد وهي في عالم الجبروت والملكوت تشهد بالثبات وابنها بالدهر وفي الملك تشهد هي بالإمكان وابنها بالزمان فالملفوظ يشهد بالاثنينية في الإبداع والمكتوب يشهد بالكمال في المخترع والاختراع والمسرود يشهد بوضع الدلالات وتبيين الآيات ثم اعلم أن الملفوظ حرف منه يوزن به النار والثاني يوزن به الهواء والمكتوب منه سين يوزن به الماء والعين يوزن به التراب والباقي منها موزون فالألف في الأولى من الكفة اليمنى من ميزان النار واللام في الثانية من الكفة اليسرى من ميزان التراب والصاد في الثالثة من الكفة اليسرى من ميزان الهواء والكاف في الثانية من الكفة اليسرى من ميزان الماء والفاء في الثالثة من الكفة اليسرى من ميزان النار وأما المسرود فكله موزون فالراء في الثلاثة من الكفة اليسرى من ميزان التراب والهاء في الأولى من الكفة اليسرى من ميزان النار واليا في الثانية من الكفة اليسرى من ميزان الهواء والطاء في الثانية من الكفة اليسرى من ميزان النار والحاء في الأولى من الكفة اليسرى من ميزان التراب ، وصفة الموازين والوزن هكذا .. .
وأما مقدار كل حرف في الوزن من طبيعته التي أودع إياها من الطبائع الأربع فهذا الشكل متضمن ذلك فاستبن منه مطلوبك فإنك إذا عرفت المقدار تمكنت من التقدير في معالجات الأعمال وتكميل الناقص ومعالجة مرضى الإنسان والنبات والمعدن وكل عقار طبيعة على نظم حروف اسمه العربية كما قلنا وهذا هو .. .
وإذا أردت معرفة حروف منازل القمر من هذه فتعرف الحروف النورانية وما يخصها من المنازل لأن الحروف النورانية هي الحروف الروحية والحروف الظلمانية هي الحروف الجسمانية فهذا الشكل متكفل به على ترتيب المشارقة واليونان والفلكيين في الحروف المفردة لأنها هي التي جرى عليها النظام في السلسلة النزولية ولهذا اعتمدتها دون غيرها وإن كان له أثر وهو هذا الشكل .. .
فالحروف النورانية أربعة نارية ( ا هـ ط م ) وثلاثة هوائية ( ي ن ص ) وثلاثة مائية ( ك س ق ) وأربعة ترابية ( ح ل ع ر ) فالأول في الخلق والثاني في الحياة والثالث في الرزق والرابع في الممات ، ومن ذلك ظهورها في أوائل الأسماء الحسنى فيشار بكل حرف إلى ما يظهر فيه وذلك في فواتح السور وغيرها فالألف الاسم منه الله من حيث ظاهره ومن حيث باطنه كافي وهو غيب لا يدرك ومحيط يملك ولا يملك والباء ظاهر تسبيب وحكمة ترتيب والاسم منه من حيث باطنه جامع ومن حيث ظاهره بديع والجيم جلال وجمال وجمع واجمال والاسم منه من حيث ظاهره جليل ومن حيث باطنه موجد والدال الاسم منه الدائم وهكذا إلى آخر الحروف ، ومن ذلك ما رواه في التوحيد والعيون عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال ( إن أول ما خلق الله ليعرف به خلقه الكتابة حروف المعجم وإن الرجل إذا ضرب على رأسه بعصا فزعم أنه لا يفصح بعض الكلام فالحكم فيه أن يعرض عليه حروف المعجم ثم يعطي الدية بقدر ما لم يفصح منها ولقد حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين عليه السلام في ( ا ب ت ث ) قال الألف آلاء الله والباء بهجة الله والتاء تمام الأمر بقائم آل محمد صلوات الله عليه والثاء ثواب المؤمنين على أعمالهم الصالحة ( ج ح خ ) فالجيم جمال الله وجلاله والحاء حلم الله عن المذنبين والخاء خمول ذكر أهل المعاصي عند الله ، ( د ذ ) فالدال دين الله والذال من ذي الجلال ، ( ر ز ) فالراء من الرؤوف الرحيم والزاء زلالزل القيامة ، ( س ش ) فالسين سناء الله والشيء شاء الله ما شاء وأراد ما أراد ((وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، ( ص ض ) فالصاد من صادق الوعد في حمل الناس على الصراط وحبس الظالمين عند المرصاد والضاد ضلَّ من خالف محمد وآل محمد صلى الله على محمد وآله ، ( ط ظ ) فالطاء طوبى للمؤمنين وحسن مآب والظاء ظن المؤمنين بالله خير وظن الكافرين به تعالى سوء ، ( ع غ ) فالعين من العالم والغين من الغني ، ( ف ق ) فالفاء فوج من أفواج النار والقاف قرآن على الله جمعه وقرآنه ، ( ك ل ) فالكاف من الكافي واللام لعن الكافرين في افترائهم على الله الكذب ، ( م ن ) فالميم ملك الله يوم لا مالك غيره ويقول عز وجل ((لمن الملك اليوم)) ثم تنطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه فيقولون ((لله الواحد القهار)) فيقول جل جلاله ((اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب)) والنون نوال الله للمؤمنين ونكاله للكافرين ، ( و هـ ) فالواو ويل لمن عصى الله والهاء هان على الله من عصاه ، ( لا ي ) فلام ألف لا إله إلا الله وهي كلمة الإخلاص ما من عبد قالها مخلصا إلا وجبت له الجنة والياء يد الله فوق خلقه باسطة بالرزق ((سبحانه وتعالى عما يشركون)) .
وفي التوحيد والخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام قال ( سأل عثمان بن عفان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تفسير أبجد فقال تعلموا تفسير أبجد فإن فيه الأعاجيب كلها ، ويل لعالم جهل تفسيره فقيل يا رسول الله ما تفسير (أَبْجَدْ) قال أما الألف فآلاء الله حرف من أسمائه وأما الباء فبهجة الله وأما الجيم فجنة الله وجمال الله وجلال الله ، وأما الدال فدِينُ الله ، وأما (هَوَّزْ) فالهاء الهاوية ويل لمن هوى من النار ، وأما الواو فويل لأهل النار وأما الزاء فزاوية في النار فنعوذ بالله مما في الزاوية يعني زوايا جهنم ، وأما (حِطِي) فالحاء حطوط الخطايا عن المستغفرين في ليلة القدر وما نزل به جبرائيل مع الملائكة إلى مطلع الفجر وأما الطاء ((فطوبى لهم وحسن مآب)) وهي شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه ، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة تنبت بالحلي والحلل والثمار متدلية على أفواههم ، وأما الياء فيد الله فوق خلقه ، ((سبحان الله عما يشركون)) ، وأما (كَلِمُنْ) فالكاف كلام الله ((لا تبديل لكلمات الله ولن تجد من دونه ملتحدا)) وأما اللام فإسلام أهل الجنة بيتهم في الزيارة والتحية والسلام وتناوم أهل النار فيما بينهم ، وأما الميم فملك الله الذي لا يزول ودوام الله الذي لا يفنى ، وأما النون فَـ ((نون والقلم وما يسطرون)) فالقلم قلم من النور وكتاب من النور ((في لوح محفوظ يشهده المقربون)) ((وكفى بالله شهيدا)) وأما (سَعْفَصْ) فالصاد صاع بصاع وفص بفص يعني الجزاء للجزاء كما تدين تدان ((إن الله لا يريد ظلما للعباد)) ، وأما (قَرُشَتْ) يعني قرشهم فحشرهم ونشرهم إلى يوم القيامة ((وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون)) ، انتهى .
وغير ذلك من المعاني المنسوبة إليها كدلالتها بصفاتها من الهمس والجهر والشدة والرخاوة وغيرها على مثل ذلك في مسمّياتها على الأصح خلافا للمشهور .
تذنيب : اعلم أن الحروف تدل بطبائعها وتأثيراتها على آثار وأفاعيل على حسب طبائعها كما أشير إلى بعض ذلك سابقا كل حرف يعطي ما أودع فيه من الطبيعة على حسب قربه منها وبعده وإذا كان في نقشه مركب من حرفين كان له فعل بنفسه وفعل بتلك الجهتين كاللام مثلا ، فإن لها من الطبيعة الترابية دقيقة فتعمل كذلك وهي مركبة من نون وألف ، والنون لها ثانية من الهوائية ، والألف لها مرتبة من النارية فتعمل اللام بتلك الطبيعتين فعلا وعملا خاصا ومثال ذلك (ل) وهكذا سائر الحروف إلا الحرف الأول وهو الألف فإنه بسيط في فعله بالنسبة إلى ما دونه وأما بالنسبة إلى ما فوقه فإنه مركب من النقطة وجودا ولفظا ونقشا فهو أعمها عملا وأعظمها وأخصها وأكرمها .
قال : وما أحسن الأوراد وأكمل الذكر وأعلى الأفعال وطريق تزكية النفس على سبيل الاختصار والوصول إلى طريق أهل الحق ؟ .
أقول : هذه الأربع المسائل أخصر الجواب عنها وأبسطه ، إن هذه مذكورة في كتب الأصحاب شكر الله سعيهم في الأدعية وكتب الأخلاق وكتب الشريعة ولم يوجد شيء جلَّ أو قلَّ بطن أو علن إلا وأهل البيت عليهم السلام قد أعثروا عليه فأحسن الأوراد ما ذكروا وأكمل الذكر ما أوردوا وأعلى الأفعال ما ذكروا وأوضح الطريق تزكية النفس ما فعلوا وأمروا به وأصّلوا ، وأما المسألة الخامسة وهي الوصول إلى طريق أهل الحق ، فاعلم أنك بعدما فهمك الله الدين وألهمك اليقين وعرفك القرآن المبين وأطلعك على سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم أجمعين لن تعدم التحري بذلك والولوج في تلك المسالك ما دمت ملاحظا لما أشير إليه ، وهو أنك بعد أن حصل لك العقل المكتسب تفهم بجودة الذكاء والفطنة في معاني الكتاب والسنة وفي معاني نفسك فإنها آيات الله وفي العالم كذلك قال الله تعالى ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)) وتجعل هذه الأربعة متطابقة ما اتفق لك فذلك وما اختلف عليك فإنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به وهو في الأربعة والحكم فيه الرد إلى المحكم منها من غير أن ترد شيئا من المتشابه إلى قاعدة من علم لم يكن مستندها من هذه الأربعة ولا إلى شيء من عادات النفس وأحوالها ولا تعصب لطريق ثبت عليه النفس ولا غير ذلك بل بمحض التخليص والتخلص واستعن بأهل ذلك إن وجدتهم فإن الله من كرمه لا يخلي أرضه منهم وبهم قوامها ومدّ طرفك وارفع يدك إلى من لا يخيب سائله ولا ينفذ نائله ، وحينئذ تعنى بقوله تعالى ((والذين جاهدوا فينا)) بالنظر في هذه الأربعة والعمل بموجبها ((لنهدينهم سبلنا)) سبيل الراحة في الدنيا وسلامة الغيب من الشك والريب وسبيل التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله وسبيل العلم كما أشار إليه الصادق عليه السلام كما رواه الديلمي في أعلام الدين ( ما من عبد أحبنا وزاد في حبنا وأخلص في معرفتنا وسأل مسألة إلا نفثنا في روعه جوابا لتلك المسألة ) ، انتهى .
وسبيل محبة الله ( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ) ، الحديث .
وسبيل العلم بالله وذلك يوجد خوف مقام ربه ويتبصر بعيوب نفسه حتى يشتغل بها عن الناس ولا يعتمد على عمل ، ويخاف في الطاعة كما يخاف في المعصية وسبيل الفضل والرجاء في الله حتى يشتد طلبه ويعظم أمله في ربه ويرجوا في معصيته كما يرجوا في طاعته ، وسبيل معرفته في المراتب السبع ، توحيده ومعرفة معانيه وأبوابه ومعرفة الإمام عليه السلام وأركانه والنقباء والنجباء ، وبذلك تمام الأمر ، وهو السر في جميع السبل وإلاّ فقد نهى عن السبل وحث على السبيل الواحد قال تعالى ((قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله)) وقال تعالى ((وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)) فاشرب صافيا فإن لكل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا .
قال سلمه الله : ومعرفة نورانية الأسماء من الملأ الأعلى وخدامها ؟
اعلم أن معرفة استخراج روحانية الأسماء لها طرق كثيرة باعتبار اختلاف تكسير الاسم وبسطه المركب أو البسيط وحذف المتكرر بعد العمل واسقاط الزمام العائد من الوفق الحرفي أو عدم حذف المتكرر وباستنطاق الزوايا والمركز والضلع والمساحة وغير ذلك أو غير ذلك من الوجوه مما يطول فيها الكلام ويخرج بنا عن المرام ولنمثل بمثال استخراج أسماء الأرواح من المثلث العددي لخفته وأوليته في الأوفاق الاسمية ، فنقول إذا أردت استخراج الملائكة من الاسم الموضوع أعداده في المثلث مثلا فاعرف أولا المفتاح وهو في المثلث كما ترى وهو أي المفتاح أو في البيت الثاني من السطر الثالث والمغلاق وهو التسعة والعدل مجموع المغلاق والمفتاح أعني ، والوفق وهو عدد ضلعه (15) ومساحته وهو (45) والضابط وهو مجموع عدد الضلع والمساحة وهو (60) والغاية وهو ضعف الضلع والمساحة وهو (12) والأصل هو حاصل ضرب غايته في مغلاقه وهو في هذا المثال (18) فهو أصل المثلث وهو الأصل الكلي الذي تحمل عليه بقية المراتب السبعة فتطرح منه عدد الملحق العلوي أو السفلي ويستنطق ويضاف إليه ذلك الملحق فيكون منه الملك أو الشيطان فإذا وعيت هذه المراتب الثمانية وأردت أن تستخرج الملائكة أو الأعوان الشيطانية فتحمل المفتاح وهو واحد على اصله الكلي وهو ألف وثمانون كما ذكرنا فيكون المجتمع (181) فاطرح منه الملحق العلوي وهو على الأكبر أحد وخمسون وقيل أحد وأربعون وقيل أحد وثلاثون ، وصورته على أربعة وجوه قيل (إيل) وقيل (يال) وقيل (ال) وقيل (اييل) وهو الذي تمثل به والملحق السفلي قيل (طيش) وهو الذي تمثل به وقيل (طش) وقيل (طاش) فإذا استنطقت من (181) أحد وخمسين بقية ثلاثون وألف فإذا استنطقته كان (غل) فإذا أضيف إليه الملحق كان اسم الملك الأول وهو (غلائيل) وإذا طرحت من (181) كان الملحق السفلي وهو (319) بقي (762) فإذا استنطقته كان (ذسب) فإذا أضفت إليه الملحق السفلي كان اسم الشيطان الأول وهو (ذسبطيش) وهو خادم ذلك الملك على السفليات ، وإن حمل مغلاقه على أصله الكلي وهو (1080) كان (1089) فإذا أسقطت منه الملحق العلوي واستنطقت الباقي (1038) (غلح) ومه الملحق (غلحائيل) وهو الملك الثاني وإذا اسقطت منه الملحق السفلي بقي (770) وهو (ذع) ومع الملحق السفلي (ذعطيش) وهو خادم (غلحائيل) وإن حمل عدله (10) على أصله الأصلي كان الجميع (1090) وبعد إسقاط عدد الملحق العلوي وإلحاقه به (غلطائيل) وهو الملك الثالث ، وبعد إسقاط عدد السفلي (319) بقي (771) واستنطاقه وإلحاقه به (ذعاطيش) وهو الاسم الشيطاني الثالث خادم الملك الثالث وإذا حمل وفقه على أصله (1080) كان (1090) وبعد الإسقاط والإلحاق (غمدائيل) وهو الملك الرابع ، وبعد إسقاط العدد السفلي والاستنطاق والإلحاق (ذعوطيش) وهو الخادم الرابع للملك الرابع وإذا حملت مساحته (45) على أصله (1080) كان بعد الإسقاط والاستنطاق والإلحاق (غعدائيل) وهو الملك الخامس وإذا طرح عدد السفلي (319) كان بعد الاستنطاق والإلحاق (ضوطيش) وهو الخادم الشيطاني الخامس للملك الخامس ، وإذا حمل ضابطه وهو (60) على أصله كان بعد الإسقاط والاستنطاق والإلحاق (غفطائيل) وإذا طرح منه عدد السفلي (319) كان بعد والاستنطاق والإلحاق (ضكاطيش) وهو الشيطاني السادس خادم الملك السادس ، وإن حمل غايته (1020) على اصله (1080) كان (1200) كان بعد إسقاط العلوي والاستنطاق والإلحاق (غقمطائيل) وهو الملك السابع الحاكم على الستة السابقة ، وإذا سقط السفلي كان بعد والاستنطاق والإلحاق (ضفاطيش) وهو العون الشيطاني الحاكم عن الستة الأعوان السابقة وهو خادم للملك (غقمطائيل) وبهذين تقسم على السابقين وتزجرهم ، فافهم الرموز وكن بها ضنينا فإنها من الأسرار الغامضة واعلم أنها الكبريت الأحمر لسرعة تأثيرها ، وبهذه الطريقة تستخرج أرواح جميع الأوفاق العددية .
ثم اعلم أن الاستقصاء على الوجوه العددية والحرفية المفردة والمركبة يطول به المقال والفائدة من هذا المثال وهو يحصل بهذا وعليه نقتصر .
قال سلمه الله : وكذلك المعادن والسيارات كل في وضعه لينتج لنا مقابلة العالم الكبير بالعالم الصغير بالصناعة .
أقول : أما الإشارة إلى المعادن والسيارات من حيث ذواتهما فقد مضت فيه إشارات إليهما فراجعها وأما السيارة والمعادن من حيث التأثير والمقابلة فالذهب بالشمس والفضة بالقمر والزئبق بعطارد والحديد بالمريخ والنحاس بالزهرة والقصدير (الرصاص الأبيض) بالمشتري والأسرب بزحل ، فطبيعة النجم كطبيعة معدنه في الصناعة كما يظهر إلا أن أهل الصناعة حكموا على أن المريخ بارد رطب وأهل النجوم عندهم حار يابس وأما الحديد في ظاهره فإنه ذهب وباطنه فضة وإنما حكموا على المريخ بأنه حار يابس لظاهر فعله وللونه ولذا كان ظاهر الحديد ذهبا وإنما حكم أهل الصناعة بأنه بارد رطب لباطنه لأنه فضة كالحديد في باطنه ، وروي أنه بارد رطب سعد وأنه نجم أمير المؤمنين عليه السلام فيتطابق مراد أهل الصناعة وأهل النجوم وأهل الشرع قال الله تعالى ((باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب)) وكذا روي في زحل وأنه نجم أمير المؤمنين عليه السلام فحكم أهل الطبع على الظاهر وأهل الشرع على الباطن وأما الصناعة فاعلم أنه فريقان محقون ومبطلون لأن كل عمل وكل شيء تجده ، ففيه حق وباطل ومن سلك في التدبير ما ظهر أبطل لقوله تعالى ((وظاهره من قبله العذاب)) ، وأما المحقون فدخلوا باطنه وفي الرحمة ، ثم اعلم أنهم جعلوا فلك الزحل من الأرض الأولى ولذا قال الرضا عليه السلام ( ما بعث الله نبيا إلا وهو صاحب مرة سوداء صافية ) انتهى .
والمراد بذلك إكليل الغلبة بعد التطهير والتصعيد وأمروا بنفي الفلك السادس لأنه غريب ولا يريدون الأجنبي ولذا قالوا يعني الفلاسفة العرب لا تتحمل نقل الجبال ولا نقل الصخور واعلم أنك تأخذ الفلكين معا إلا أن أحدهما صالح وهو السابع ، والسادس طالح ولذا أشار ابن أرفع رأس إلى ذلك في روضته حيث قال ( فخذه ففيه أنهار والبحر والثرى ومزن الحيا والنافحات اللواقح ففرقه تفصيلا إلى اثنين صالح فلا خلف بين اثنين فيه وطالح ) فأخبر أن السادس طالح ، وقال أيضا لهرمس أرض تنبت العز والغنى إذا ما انتفى عنها غريب الحشائش .
وبالجملة فإذا فصلت الحجر كما مر واستخرجت زحل والمشتري وأزلت المشتري عن زحل ثم صعدته كان هو الأرض الأولى ثم تعمد إلى المريخ وما تحته وتستخرج منه الزهرة ثم تستخرج عطارد ثم تستخرج الشمس في الزهرة ، وتغسل الأرض الجديدة بعطارد حتى تكون أرضا مقدسة وهي أرض الحياة التي يدور عليها فلك القمر وصعدها كالأولى واجعلها بيت التزويج الزئبقين وأرضا لغرس الغصنين ليثمرا بالياقوت واللجين .
قال سلمه الله : المسألة الرابعة ، ما الشجرة في القرآن المجيد في قوله تعالى ((شجرة مباركة زيتونه)) والشجرة التي هي في الواد المقدس والشجرة التي تخرج من طور سيناء والشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة والشجرة الملعونة ؟ .
أقول : إن الشجرة المباركة هي شجرة الزيتون ، بارك فيها سبعون نبيا منهم إبراهيم الخليل عليه السلام فهي كثيرة البركة يؤتدم بدهنها لقوله تعالى ((تنبت بالدهن وصبغ للآكلين)) ويسرج به ويوقد بحطبها ويغسل الإبريسم برماده وهي أول شجرة نبتت بعد الطوفان ((لا شرقية ولا غربية)) أي في الشام بين المشرق والمغرب أو لا يفيء عليها ظلا شرق ولا غرب ، بل هي في سواء الجبل ، وروى جابر بن عبد الله الأنصاري في حديث طويل ( أن ((الشجرة)) محمد بن علي الباقر عليه السلام ((ومباركة زيتونه)) جعفر بن محمد عليه السلام ) وفي رواية طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عليه السلام ( الشجرة المؤمن والشجرة المباركة هي إبراهيم والشجرة المباركة هي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والشجرة المباركة هي مجمع البحرين الوجوب والإمكان أي الظاهر في ظهوره وهي الشجرة الكلية تبارك الله الرحمن استوى برحمانيته على عرشه عرش النور لسلطان الربوبية فأعطى كل ذي حق حقه وأجرى لكل مربوب رزقه ، والشجرة التي في واد المقدس والشجرة تخرج من طور سيناء هي الأولى وسبق فيها الكلام والوادي المقدس النفس المطمئنة والطور الجسد المطيع الصابر ، الوادي المقدس القلب السليم ، الطور هو العقل المستقيم ويقال للشجرة النابتة في الطور الحيواني الناطق وهي هيولي الإنسان الكريم تنبت في الربيع وهي الشجرة التي استعملها بلصيال ويقال لها حشيشة بلصيال بالحور الذي عمل قبة الزمان ، وقد نقل بعض العلماء في كتابه أن الملك الرب ظهر لبني صيال بالحور قال له ألحقني فأخذه إلى موضع محط الثلج والبرد الشديد فأراه هذه الحشيشة .
واعلم أيها الأخ السعيد أنها تنبت في برج الأسد وفي برج القوس فقال له خذ هذه الحشيشة وهي .. .
وحطها في قنينة ألفا ومائة يوم كل يوم يكتب هذا الاسم باليوناني وترميه بالقنينة وهو .. .
وبعد ذلك زن الذي في القنينة وكل وزن درهمين له أوقية زئبق وحط الزئبق في قدره على نار لينة وألقِ عليه من الحشيشة فإنه ينبت على الروياص ذهب فحل أبريز وبالله عليك لا تنسى الفقراء والمساكين هذا ما قال لبلصيال ، وصفة هذه الحشيشة لونها أخضر أصفر إن شربتها تجده صفة الكمأة وإن شربتها قدر ذراع أو أقل في الأرض تنبت في السنة في طريقين في برج الأسد وفي برج القوس مع الأحواج وفيها منافع كثيرة والحمد لله وحده وصلواته على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، انتهى .
أقول : ولذلك قال تعالى ((تنبت بالدهن وصبغ للآكلين)) لأن فيها الماء الأول ذو الوجهين والماء الأبيض البرّاق ، ماء البئر المصري والصبغ الكرشي والأرض الزحلية والجسد الجديد هذا يقال في الجملة للشجرات الثلاث .
وأما الشجرة الطيبة فروى أبو حمزة الثمالي ( أنه سأل الباقر عليه السلام عن قوله ((كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)) فقال عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا أصلها وعلي فرعها والأئمة أغصانها وعلمنا ثمرها وشيعتنا ورقها يا أبا حمزة إن الولد ليولد من شيعتنا فتورق ورقة فيها ، ويموت فتسقط منها ورقة وقال رجل آخر جعلت فداك تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها قال ما يفتي الأئمة شيعتهم من الحلال والحرام ) وعن بن عباس ( هي شجرة في الجنة وقيل هي كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة أو كلمة التوحيد أو هي بمعنى الأولى عند الحكيم أو هي المؤمن أو هي شجرة الخلد أو هي شجرة المزن وهي شجرة تحت العرش تقطر على البقل والثمر والنبات فما أكلها مؤمن أو كافر إلا وخرج من صلبه مؤمن ) وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال ( النطفة تقع بين السماء والأرض على النبات والثمر والشجر فيأكل الناس والبهائم فتجري فيهم ) وفي الكافي عن أبي اسماعيل الصيقل الرازي عن أبي عبدالله عليه السلام ( أن في الجنة لشجرة تسمى المزن فإذا أراد الله أن يخلق مؤمنا أقطر منها قطرة فلا تصيب بقلة ولا ثمرة أكل منها مؤمن أو كافر إلا أخرج الله تعالى من صلبه مؤمنا ) ، انتهى .
وإذا قطرت منها قطرة خرقت السماوات إلى أن تسقط إلى الأرض وذلك أن جميع من في الأرض منه سأل أهل الإجابة وهي الأفلاك التسعة فإذا أجاب الأطلس جرى بساير المجيبات فله التقدير وله التسخير فكل من التسعة يمده بقبضة من جسده عن طبيعة جسده وفيها شعلة من روحه في تلك القبضة مستجنة فيها استجنانا بسيط في بسيط والمحدد يسخرها في تقديرها ، قال الشاعر :
انظر إلى العرش على مائه سفينة تجري بأسمائه
واعجب له من مركب دائر قد أودع الخلق بأحشائه
يسبح في لج بلا ساحل في جندل الغيب وظلمائه
وموجه أحوال عشاقه وريحه أنفاس أنبيائه
فلو تراه بالورى سائرا من ألف الخط إلى يائه
ويرجع العود على بدئه ولا نهايات بإبدائه
يكور الليل على صبحه وصبحه يفنى بإمسائه .
ثم إن حركات الجوزهرات والممثلات والمديرات والخوارج والتداوير في أسراعها ورجوعها وإقامتها واستقامتها اختياريّها وقسريّها تدور على أربع حركات عن أربعة أسماء وهي ( الله ، الرحمن ، الباعث ، الباطن ) وهي أركان الاسم (هو) اسم الذات وهو الكلمة التي انزجر لها العمق الأكبر وهو الاسم الذي لا يقع عليه اسم ولا صفة وقطر هذه الشجرة كل قطرة من ورقة ، وأوراقها قائمة بأغصانها وعدد أغصانها ستمائة وعشرون ألف ألف ألف ألف ألف ألف ألف غصن وأربعمائة وثمانية وأربعون ألف ألف ألف ألف ألف ألف غصن وواحد وأربعمائة ألف ألف ألف ألف ألف غصن وسبعمائة وسبعة وعشرون ألف ألف ألف ألف غصن وسبعمائة وتسعة عشر ألف ألف ألف غصن وأربعمائة وتسعة وثلاثون ألف ألف غصن وثلاثمائة وستون ألف غصن ، فالأول سبعة عقود والثاني ستة عقود والثالث خمسة عقود والرابع أربعة عقود والخامس ثلاثة عقود والسادس عقدان والسابع عقد فهذا عدد الأغصان الكلية وفي كل غصن أغصان جزئية بالنسبة إلى الكلية وإلا فهي كلية بالنسبة إلى ما فيها من الأغصان الصغار ، والأغصان الصغار جزئية بالنسبة إليها وكلية بالنسبة إلى الأوراق ، وأما عدد أوراقها أعني كم فيها من ورقة لا تصلح لغير واحد ولا يقطر منها إلا قطرة واحدة فبأن تقترن إلى كل غصن كلي وإلى كل غصن جزئي فيه وإلى كل ورقة لا تصلح لقطرتين عدد نجوم السماء في كل رتبة مما مضى وما يأتي وإلى ما بين كل شيئين حتى ينتهي كل قران ونسبة بين كل نجم وكل غصن كلي أو جزئي من أفراد الكلي في كل الأفراد مجموعة ومتفرقة ، وهذا لا يدخل في ما في الوجود المقيد وذلك مما تفرد به العليم الخبير ولهذا انسد باب الغيب عما في الوجود المقيد مما حواه الوجود المطلق والمشيئة مما تفور به فوارة القدر والبداء من آثار ذلك الاسم الذي هو صبح الأزل وهذه الشجرة صورة للشجرة الكلية المباركة وفي مقابلة هذه الشجرة التي هي شجرة المزن شجرة تخرج في أصل الجحيم ((طلعها كأنه رؤوس الشياطين )) تنبت في سجين طينة خبال أرض الجحيم أصلها لأعلى قرار وأولا النبات ورقها تحت الثرى الذي لا يعلمه إلا الله وتتم تلك الورق في الثرى فيتصلصل قطرها في الطمطام ويتصاعد كالأبخرة من بين معترك تلك المركبات الخبيثات فيأخذ في إدبارها صاعدة لتلاطم أمواج بحور تلك المركبات ويتكون في دركات النيران وتنسحق في عواصف الريح العقيم وتتعفن في البحر الأجاج ويحيى بحياة الهالكين وتكور في محول السنين وتغتسل في سجين وتأتلف بين الزمهرير والسعير ، ثم تتخطفها جنود الشياطين وتسير بها في كل واد سحيق من السبع الأرضين حتى تظهر في النبات والثمار والبقولات فما أكلها أحد مؤمن أو كافر إلا وخرج من صلبه كافر لعين وتلك هي الشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار وهي كلمة الكفر الأولى وكلمة الكفر الأخرى من فروعها كما أن تلك الشجرة الطيبة بعكسها في كل ما لها وتصرف في تأويل ذلك على أي معنى إذا عرفت الأرض وجهات التصرف كما رواه في معاني الأخبار عن داود بن فرقد ( قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول إنكم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا إن الكلمة لتصرف على وجوه فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب ) ، انتهى .
وأما الشجرة الملعونة فهي الشجرة الخبيثة باطنا ولكنها لما قال فيها والشجرة الملعونة في القرآن لأن أكلها ليس من أصحاب اليمين الذين قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم ((فسلام لك من أصحاب اليمين)) بل هم ممن قال تعالى ((إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة)) وهم رؤوس الشياطين وهم ثمرها ، قال تعالى ((طلعها كأنه رؤوس الشياطين)) فبلعنهم سميت الشجرة الملعون المطرودة من الرحمة بعد أن قربت بالإدبار إلى مكان الإقبال وعرضت عليهم الرحمة فلم يقبلوا فطردهم عن الرحمة عبارة عن إيجاب حكم مقتضى عدم قبولهم لها فإن من لم يقبل ما يقربه فقد أبعد نفسه لتركه القرب وبأصلها في الخبيث وعدم تحققها في أصل الوجود وإنما هي موجودة بالعرض وإنما وجودها دعوى بلا حقيقة ولا برهان لها فبذلك كانت خبيثة الطيبة أصلها ثابت والخبيثة ((اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار)) ((يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء)) فمعنى يضل الله الظالمين إيجاب الحكم عليهم بمقتضى شأن بدئهم في علم الغيب وهو إبعادهم أنفسهم بتركهم ما يقربهم فافهم .
وعن أبي عبدالله عليه السلام ( أنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى قرودا أربعة عشر قد علوا منبره واحدا بعد واحد فلما أصبح قص رؤياه على أصحابه فسألوا عن ذلك فقال صلى الله عليه وآله وسلم تصعد منبري هذا بعدي جماعة من قريش ليسوا لذلك أهلا ) قال الصادق عليه السلام ( من بني أمية ) ، انتهى .
وقيل هي شجرة الزقوم وقيل هي السكوت لا أصل لها ثابت ولا فرع له ثابت وقيل هي شجرة الحنضل ، وبالجملة فالمقصود موجود .
قال سلمه الله تعالى : والواد المقدس والأرض المقدسة ؟ .
قد مضت الإشارة إلى هذا كما قلنا سابقا أن الواد المقدسة القلب السليم المملو بالرضا والتسليم والأرض المقدسة النفس المطمئنة الراضية المرضية ، والواد المقدس بيت التوليد والتناكح والأنوار الفرفيرية والأرض المقدسة الجسد الجديد .
قال سلمه الله : والتسعة المفسدة في الأرض والعشرة الجبال والجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليما وقدس الله عليه عيسى تقديسا ةاتخذ إبراهيم خليلا ومحمد حبيبا والطيور الأربعة ، والثلاثين اليوم والإتمام بالعشرة والنعل الذي خلعه موسى والاثني عشر في عدة الشهور والأربعة الحرم ؟ .
أقول : التسعة المفسدة في الأرض أعداء الصالح عليه السلام إشارة إلى المولود الكريم الصالح يخرجون من الأرض ويهلكون في تسع تساقي كل واحد في تسقيع الأول والثاني والثالث بقدر ربع الأرض والستة الباقية كل بقدر سدس الأرض وفي كل واحد يخرج نفسه ويهلك في ثلاثة أيام ، اليوم الأول يوم التزويج والمعدن والثاني يوم الجواري والنبات ، والثالث يوم التركيب والحيوان فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ((ذلك وعد غير مكذوب)) فأصبحوا في الأول مصفرة وجوههم وفي الثاني مرة وفي الثالث مسودة وهذا حكم وطبع وإن خالف المحسوس وأسماء هذه التسعة ( قدار بن سالف ومصدع بن مهرج وأخوه وأب بن مهرج وغنم بن غنم وعمير بن كرديه وعاصم بن مخرمة وسبيط بن صدقة وسمعان بن مصفى والهذيل بن عبد رب ) ، فأما اليوم الأول من الثلاثة فيخرج فيه من الأرض ثلاثة والثاني ستة واليوم الثالث يهلك في أوله ثلاثة في ثلاث تساقي فيظهر القمر المنير وفي آخره يهلك الستة الباقية في ست تساقي فيظهر المولود بكسوة الفرفير وهو المولود الصالح ، وكان هذه التسعة المفسدة خلف تسعة من الجبال العشرة وعن شمائلهم حتى أن كل جبل يمينه مصلح وشماله مفسد والجبال العشرة أكبرها ألطفها وأبقاها وهو قلب المؤمن ومحدد الجهات والصاقورة العليا ومركب العلل وعلوم الكيف واللم وعرش الاستواء الرحماني والمنظر الأعلى والثاني صدر العلم ، قال تعلى ((بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم)) والكرسي الواسع للسماوات والأرض والكتاب المسطور ، والثالث سماء الأمان وسلم الإيمان وبرج كيوان وجبل ظهور النور والاستعلان ومطيع الرحمن وطريق الجنان ، والرابع خزانة العلم ووعاء الحكم ومظهر العلم وحجاب الزبرجد وفلك الكوكب الأسعد ، والخامس جبل السطوة ومظهر القهر العزرائيلي والحجاب الأحمر ، والسادس جبل الهيولي الثانية ومنبع الوجود الفياض ، والسابع جبل الأكوان الملكوتية المحفوظة في الخزائن الإلهية ، والثامن جبل الهياكل الرقمية المنزلة بالقدر المعلوم ، والتاسع جبل الحياة التي حييت بظله الحيوانات ، والعاشر جبل الطور والقاف المذكور .
وهذه الجبال العشرة عاشرها حاملها وتاسعها مثل العاشر والعاشرة على ظهر التاسع وهما سواء والثامن والسابع يجمعهما في الظاهر مقدار واحد والستة الباقية يجمعها مقدار واحد في الظاهر إلا أن لكل واحد من هذه العشرة حكما ويكون له وبه طبع غير الآخر والعاشر يجمعها ويضمها إليه شعرا وذلك معنى قولهم أن واحدا سيغلب تسعا من بنات البطارق ولا ريب أن جبل قاف محيط بالدنيا ، وأما الجبل الذي كلم الله عليه موسى فهو جبل طور سيناء وجبل حوريث فتفقده بكل معنى فقد مر إلى جميعها الإشارة ، وأما الجبل الذي قدِّس عليه عيسى فهو جبل ساعير كذلك وقيل ساعير جبل بالحجاز يدعى جبل الشراة ، كان عيسى على نبينا وآله وعليه السلام يناجي الله تعالى عليه وعنده إجابة الدعاء ، وقيل ساعير قبة كانت مع موسى على نبينا وآله وعليه السلام كالتخت للملك ، وأما الجبل الذي اتخذ الله عليه إبراهيم عليه وعلى محمد وآله السلام خليلا يعني الذي ظهر له عليه فهو الربوة من منى في مسجد الخيف أو في إيليا وهي مدينة القدس أو في جبل فلسطين عند بئر شيع ن فهو البئر الذي حفره وبُنِيَ عنده مسجدا ، وأما الجبل الذي ظهر فيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فهو جبل فاران من جبال مكة بينه وبينها يوم ظهر فيه بربوات المقدسين فوق احساس الكروبيين ، والطيور الأربعة ديك وغراب وطاووس ونسرا حمامة وألوانها أحمر وأصفر وأبيض وأسود وطبائعها حرارة ورطوبة وبرودة ويبوسة وعناصرها نار وهواء وماء وتراب وملائكتها جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل وسفلييها المذهب وميمون وياقوت و زويعة ، والمراد بالطيور الأربعة المأمور بذبحها أعدائك إذا ذبحتها حييت لك أصدقاء ناصحين ديك شهوة هواك وغراب حرص شيطانك وطاووس زينة دنياك ونسر عجب نفسك .
وأما الثلاثون اليوم فهي ذي القعدة التي صامها موسى في طور سيناء لتلقي التوراة لأنة يوم الأول للعشرة المشار إليها بالجبال يوم طبائعها والثاني هو الذي خلقت فيه عناصرها والثالث هو الذي نمت فيه نباتاتها ، فهذه ثلاثون يوما ، وأما الإتمام بالعشر فهو بعشر ذي الحجة وهي اليوم الرابع لتلك العشرة الجبال وفي هذا اليوم حياة تلك الجبال وهي التي أقسم الله بها حيث قال تعالى ((والفجر وليالي عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر)) فالفجر فجر جمع وهو المعشر ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ((إن قرآن الفجر كان مشهودا)) وهو الإمام المستشهد في نينوى تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار وملائكة السلم وملائكة النصر ، والليالي العشر الحسن والتسعة من ذرية الحسين عليه السلام أخيه قعدوا كما أمروا ، والشفع هو الزوج وهو علي عليه السلام لأن العصر هو الضم قال تعالى ((والعصر إن الإنسان لفي خسر)) والوتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو البرزخ بين البحرين الممزوجين والشفع يوم التروية والوتر يوم عرفة فافهم ، والليل إذا يسر فاطمة عليها السلام عاشت بعد أبيها أربعين يوما أو خمة وسبعين يوما أو ما شاكلها من المدة القليلة فهذه العشر تمام الميقات فنزلت التوراة بعد الميقات وكان قد أخفاها موسى عليه السلام عن بني إسرائيل فتنة لهم وذلك عن أمر سبق من الله وإلا فقد وعده الله بالأربعين ثم وعده بالثلاثين وأتمها بعشر وأمر بكتمانها استنطاقا لما فيهم مما علمه منهم كما اقتضته ذواتهم من علمه بهم فكانت هذه العشرة حياة الثلاثين كل واحد منها حياة ثلاثة ، وتلك الثلاثة جبل من الجبال العشرة غير تام يعني لم تنشأ خلقا آخر إلا بواحد من هذه العشرة .
وأما النعل الذي خلعه موسى عليه السلام فروى سعد بن عبدالله القمي فيما سأل به صاحب الزمان عليه السلام أنه قال ( إن موسى كان بالواد المقدس فقال يا رب إني أخلصت لك المحبة مني وغسلت قلبي عمن سواك وكان شديد الحب لأهله فقال الله تبارك وتعالى ((اخلع نعليك)) أي انزع حب أهلك من قلبك إن كان محبتك لي خالصة وقلبك من الميل إلى من سواي مشغولا ) الحديث .
ومن روي أنه كان من جلد حمار ميت فليس على ظاهره لترفع مقام موسى عن ذلك كما ذكره الحجة عليه السلام وإنما هو كناية عن صفة ظاهرة وإنما قيل جلد حمار لأنها عرضية والحمار كناية عن البليد والميت كناية عن الهالك وهي صفوريا بنت شعيب لخبثها وخروجها على وصييه يوشع وقتالها له ظالمة له فلعدم انتفاعها بصحبة موسى مع ما تشاهد من المعجزات كانت ((كمثل الحمار يحمل أسفارا)) والأسفار أسفار التوراة يعني حاملها فلما خلعهما كانتا عقربين لأنها سنخ النمام ، وصفته فلما ألقاهما الإنسان من صحبة الإنسانية جرى عليهما المسخ فجرى ميل قلبه وميل نفسه إليهما حين ألقاهما فمسخا بذلك الأمر الإلهي سنة ومذهبا للآخرين ((سنة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)) وقد جرى كما ترى فافهم .
وأما الإثنى عشر في عدة الشهور فإن المراد بها قصبة الياقوت والأصل أن الشمس تجري في الفلك وتقطعه في اثنى عشر شهرا مثال لظهور شمس الوجود التي هي وجه الواجب في هذه البروج الإثنى عشر وذلك لأن الاسم المشار إليه كان على أربعة أركان فأخفى الله منها واحدا وأظهر ثلاثة لفاقة الخلق إليها ولكل واحد من تلك الثلاثة أربعة أركان الخلق والرزق والموت والحياة ، فهذه اثنى عشر ركنا ولكل ركن ثلاثون اسما فهذه ثلاثة مائة وستون اسما وهذه اثنى عشر البروج وهي الأشهر الاثنى عشر والأئمة الاثنى عشر الذين تظهر فيهم الولاية الكبرى الأزلية بتمامها في الظهور واحدا بعد واحد والأربعة الحرم ذو القعدة وذو الحجة وعاشوراء ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد علي والحسن والحسين والفرد الحجة سلام الله عليهم أربعة أشهر أمروا بالقعود فيها عن القتال فلم يمتثلوا وقاتلوا فيها أولياء الله فلذلك قال الله تعالى ((ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)) فالأول من الأربعة ذو القعدة وفيه دحو الكعبة وذلك هو علي عليه السلام والثاني ذو الحجة وهو الحسن عليه السلام والثالث المحرم وهو الحسين عليه السلام والرابع رجب وهو الحجة عليه السلام ، (( قال عليه السلام يا عجبا كل العجب بين جمادى ورجب قال يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه قال ثكلت الآخر أمه وأي عجب يكون أعجب من أموات يضربون هام الأحياء ) الحديث .
وأما قوله والأيام في قولهم عليهم السلام ( لا تعاد الأيام فتعاديك ) فالمراد بها الأركان الاثنى عشر من الأسماء الثلاثة أعني الله العلي العظيم وذلك أن الوجود الذي هو الرابطة بين الظهور والبطون ظهر الحق فيه به له فكان ذلك الظهور في أربعة عشر يوما كل يوم بعد يوم على سبيل البدلية والانتقال وهي في الحقيقة وصل وجمع وجمع الجمع ووحدة بل أحدية وتلك المراتب باعتبار الكثرة هي مثاني السبعة الأيام في الأسبوع ، فأما باعتبار أيام الشأن وأيام الإيلاج وأما باعتبار الليل والنهار وأما باعتبار الحركة القسرية والحركة الاختيارية وأما باعتبار الغيب والشهادة وأما باعتبار السيادة والعبودية إلى غير ذلك ، فالمراد بالأيام مقامات الله التي لا تعطيل لها في كل مكان ومظاهره في مراتب الوجود بها ومعناها آل محمد صلوات الله عليهم ، روى الصدوق رضوان الله عليه بإسناده إلى الصقر بن أبي دلف أنه سأل أبا الحسن الثالث عليه السلام حين سأله المتوكل عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( لا تعاد الأيام فتعاديكم ) ما معناه ، قال عليه السلام ( نعم الأيام نحن ما قامت السماوات والأرض فالسبت اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأحد أمير المؤمنين عليه السلام والأثنين الحسن والحسين والثلاثاء علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد والأربعاء موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وأنا والخمسين ابني الحسن والجمعة ابن ابني والله يجتمع مصائب الحق فهذا معنى الأيام فلا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الآخرة ) ورواه بطريق آخر ورواه هبة الله راوندي في كتاب الخرائج والجرائح وفيه قال ( نعم أنه لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما السبت فرسول الله وساق الحديث وفي آخره والجمعة القائم منا أهل البيت صلوات الله عليهم ) .
قال سلمه الله : وفي قولهم تحذر من الأيام سبعة كواملا .
أقول : المراد بها أيام الشهر المعروفة بين الناس وهذه السبعة الأيام التي هي الثالث والخامس والثالث عشر والسادس عشر والأحد والعشرون والرابع والعشرون والخامس والعشرون ويستوي عليها حكم رجال الغيب فلا يكاد يصلح فيها عمل كما روي عن الصادق عليه السلام ( أن في السنة اثنى عشر يوما من اجتنبها نجى ومن وقع فيها هوى فاحفظوا وفي كل شهر منها يوم ففي المحرم الثاني والعشرون وفي صفر العاشر وفي ربيع الأول الرابع وفي ربيع الثاني وجمادى الأولى الثامن والعشرون وفي جمادى الثانية ورجب الثاني عشر وفي شعبان السادس والعشرون وفي رمضان الرابع والعشرون وفي شوال الثاني وفي ذي القعدة الثامن والعشرون وفي ذي الحجة الثامن ) انتهى .
وورد في كل شهر يومان روي عن أمير المؤمنين عليه السلام كما نقله المحدث الكاشاني أنه عليه السلام قال ( إن في السنة أربعة وعشرين يوما نحسات رديات لا يتم الأمر الذي شرع فيها ولا يعيش الطفل الذي ولد فيها ولا يظفر الغازي الذي غزى فيها ولا تنموا الشجرة التي غرست فيها وفي كل شهر منها يومان ، ففي المحرم الحادي عشر والرابع عشر وفي صفر الأول والعشرون وفي ربيع الأول العاشر والعشرون وربيع الثاني الأول والحادي عشر وفي جماد الأولى الأول والحادي عشر وفي جماد الثانية الأول والحادي عشر وفي رجب الحادي عشر والثالث عشر وفي شعبان الرابع مع العشرين وفي رمضان الثالث مع العشرين وفي الشوال السادس والثامن وفي ذي القعدة السادس والعاشر وفي ذي الحجة الثامن مع العشرين ) ، فعلى هاتين الروايتين يكون في الشهر ثمانية أو تسعة أو عشرة وقد تزيد ككون القمر في العقرب وغيرها وككون سلوك الطريق في مقابلة رجال الغيب حتى ينصرفوا عنها ذلك اليوم وغير ذلك مما هو مذكور في محله .
قال سلوه الله تعالى : وفي قولهم عادانا من كل شيء شيء حتى من الطيور العصفور وفي الأيام الأربعاء .
فأقول : قد روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام ذلك في شأن العصفور وأن العصافير من سنخ الثاني فلما أتته تستسقيه قال عليه السلام لها لا ولا كرامه وفي رجوعه أحاطت به وقد خالطها القنابر فسقاها لأجلها ) وأمثال ذلك مما ورد فيها ، وأما يوم الأربعاء فلعل المراد منه أربعاء لا يعود كما يدل عليه ما نقل عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام ( أن رجلا قام إليه فقال يا أمير المؤمنين وأخبرنا عن يوم الأربعاء وتطيرنا منه وأي أربعاء هو فقال آخر أربعاء في الشهر وهو المحاق وفيه قتل قابيل هابيل أخاه ويوم الأربعاء ألقي إبراهيم عليه السلام في النار ويوم الأربعاء وضعوه في المنجنيق ) الحديث .
وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام يقول ( يوم الأربعاء يوم نحس مستمر ) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن قال ( الأربعاء نحس مستمر وسئل عن ذلك قال إن الله جل جلاله رفع أركان جهنم يوم الأربعاء وربع زواياها وأشد حرها يوم الأربعاء وما أنزل الله من السماء إلى الأرض رجسا ولا غضبا ولا نقمة إلا في يوم الأربعاء ) وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام ( احذروا يوم الأربعاء فإنه نحس إلا للطب والأدوية ) ثم اعلم أن الجمع بين هذين الحرفين الماضيين أحدهما لا تعادي الأيام فتعاديكم وثانيهما تحذر من الأيام سبعا كواملا وحتى من الأيام الأربعاء ظاهر لمن تدبرها مضى من الإشارة من أن الأيام المنهي عن معاداتها هم الائمة الإثنى عشر عليه السلام ، وأن المأمور بالتحذر منها هذه الأيام المنحوسة المشار إليها كما مرَّ ظاهرا وباطنا هي الأيام المنحوسة التي يجب معاداتها فافهم .
وروى الطبرسي في أماليه بإسناده إلى جعفر بن محمد عليه السلام قال ( قال عليه السلام السبت لنا والأحد لشيعتنا والأثنين لبني أمية والثلاثاء لشيعتهم والأربعاء لبني العباس والخميس لشيعتهم والجمعة لله عز وجل ) الحديث ، فأشار عليه السلام إلى بعض الأيام المنحوسة هنا وإنما خص الأربعاء في ذلك بالمعاداة لما فيه من كمال المطابقة ظاهرا وباطنا فإن أهل الأربعاء كان فعلهم أفضع وهي أربعاء لا تعود إذ ليس بعد ذهاب سلطانهم لهم سلطان وهم المحاق التي غاب فيها قمر الولاية ، واعلم أن السلامة من نحوس هذه الأيام في الإلتجاء إلى تلك الأيام التي هي درع الله الحصينة وذمام الله الذي لا يقابل ولا يحاول وأما السلامة من نحوس الأيام الظاهرة فروي أن بعض البغداديين كتب إلى أبي الحسن الثاني عليه السلام يسأله عن الخروج يوم الأربعاء لا يدور فكتب عليه السلام ( من خرج يوم الأربعاء لا يدور خلافا لأهل الطيرة وقى كل آفة وعوفي من كل عاهة وقضى الله له حاجته )
واعلم أن يوم الأربعاء لعطارد وهو يكون مع النحس نحس ومع السعد سعد فلذلك كان الأربعاء على أتباع أهل النحوس من حيث هم أتباع نحوس وعلى اتباع أعل السعود من حيث هم أتباع سعود وهذه الحيثية صدقة واعتقاد ويقين وتفويض ودعاء ، فعن الصادق عليه السلام قال ( تصدق واخرج أي يوم شئت ) وروى حماد بن عثمان قال قلت لأبي عبدالله عليه السلام ( أيكره السفر في شيء من الأيام المكروهة مثل الأربعاء وغيره فقال عليه السلام افتح سفرك بالصدقة واخرج إذا بدا لك واقرأ آية الكرسي ) وروي عن سهل بن يعقوب الملقب بأبي نواس أنه قال ( قلت لأبي الحسن علي بن محمد العسكري يا سيدي أنه قد وقع إليَّ اختيارات عن الصادق عليه السلام ما حدثني به عبدالله بن الحسن بن مطهر عن محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه عن الصادق عليه السلام في كل شهر فأعرضه عليك قال افعل فلما عرضته عليه وصححه قلت له يا سيدي في أكثر هذه الأيام قواطع عن المقاصد لما ذكر فيها من النحس والمخاوف فدلني على الاحتراز عن المخاوف فيها فربما تدعوني الضرورة إلى التوجه إلى الحوائج فيها فقال عليه السلام يا سهل إن لشيعتنا بولايتنا عصمة لو سلكوا بها في لجج البحار الغامرة وسباسب البيداء الغائرة بين سباع وذئاب وأعادي الجن والإنس لأمنوا من مخاوفهم بولايتهم لنا فثق بالله عز وجل وأخلص في الولاء لأئمتك الطاهرين وتوجه حيث شئت يا سهل إذا أصبحت وقلت ثلاثا أصبحت اللهم معتصما بذمامك المنيع الذي لا يطاول ولا يحاول إلى آخر الدعاء إلى قوله عليه السلام فأغشيناهم فهم لا يبصرون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقلتها عشيا ثلاثا دخلت في حصن من مخاوفك وأمن من محذورك وإذا أردت التوجه في يوم حذرت فيه فقدم أمام وجهك الحمد والمعوذتين والإخلاص وآية الكرسي وسورة القدر وخمس آيات من آل عمران ثم قل اللهم بك يصول الصائل وبقدرتك يطول الطائل ولا حول لكل ذي حول إلا بك ولا قوة يمتازها ذو قوة إلا منك بصفوتك من خلقك وخيرتك من بريتك محمد نبيك وعترته وسلالته عليه وعليهم السلام وصلي عليهم واكفني شرَّ هذا اليوم وضرّه وارزقني خيره ويمنه واقضي لي في منصرفاتي بحسن العاقبة وبلوغ المحبة والظفر بالأمنية وكفاية الطاغية الغوية وكل في قدرة لي على أذية حتى أكون في جنة وعصمة من كل بلاء ونقمة وأبدلني من المخاوف فيه آمنا ومن العوائق فيه يسرا حتى لا يصدني صاد عن المراد ولا يحل بي طارق من أذى العباد إنك على كل شيء قدير والأمور إليك تصير يا من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) انتهى.
فتأمل هذا الخبر الشريف وما اشتمل عليه من الإرشاد في حصول النجاة والسلامة من حسن الاعتقاد واليقين فيهم والاعتماد ، فافهم .
قال سلمه الله تعالى : وما الكلمة في قوله ((وتمت كلمة ربك الحسنى)) ((كلا إنها كلمة هو قائلها)) ((إليه يصعد الكلم الطيب)) ((والكلمات التامات)) والتي تلقاها آدم من ربه والأسماء التي علمها آدم إلى غير ذلك من الكلمات القرآنية .
الكلمة الحسنى التامة على بني إسرائيل هي وعد الله لهم بأن يهلك عدوهم ويستخلفهم في الأرض وهي تأويل قوله تعالى ((وجعلها كلمة باقية في عقبه)) فبني إسرائيل آل محمد والكلمة أنبيائه وخاتم الولاية وهم الذي استخلفهم بما صبروا وجعلهم أئمة وجعلهم الوارثين ، ((ولقد كتبنا في الزبور بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)) وأما الكلمة التي هو قائلها هي كلمة سائل الرجعة إذا بدا له سوء أعماله إذا حمل إلى قبره وشاهد ما هو قادم عليه ((قال رب أرجعوني لعلي أعمل صالحا فيما تركت)) فيرد عليه الموكلون ((كلا إنها كلمة هو قائلها)) وذلك أنه تقوَّل كلمة الذين كفروا السفلى وأنكر كلمة الله العليا وأما صعود الكلم الطيب إليه فبما تحفه من جنود الله النور وألي المراكز العليا منه بدأت وإليه تعود بالكمال والكلم الطيب كلمة الشهادتين والصلوات الخمس والعلوية البيضاء والمقربون من أهل محبته وغير ذلك من الأعمال الصالحة والعاملين والصالحين ، وأما الكلمات التامات وهي ( الله ، النور و الزين والجمال والعماد والقوام والصريخ والغياث والمفرج والمروح والمجيب والإلـه والرحمن الرحيم والكاشف والمنزول به الحوائج ) وفي مناقب ابن شاذان عن الحارث وسعد بن قيس عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( أنا واردكم على الحوض وأنت يا علي الساقي والحسن عليه السلام الرائد والحسين عليه السلام الآمر وعلي بن الحسين عليه السلام الفارط ومحمد بن علي عليه السلام الناشر وجعفر بن محمد عليه السلام السائق وموسى بن جعفر عليه السلام محصي المحبين والمبغضين وقامع المنافقين وعلي بن موسى الرضا عليه السلام منير المؤمنين ومحمد بن علي عليه السلام منزل أهل الجنة في درجاتهم وعلي بن محمد عليه السلام خطيب الشيعة ومزوجهم بحور العين والحسن بن علي عليه السلام سراج أهل الجنة يستضيؤون به والهادي عليه السلام شفيعهم يوم القيامة حيث لا يؤذن الله إلا بمن يشاء ويرضى ) وفيه عن عبدالله بن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه ( أنا نذير أمتي وأنت هاديها والحسن عليه السلام قائدها والحسين عليه السلام سائقها وعلي بن الحسين عليه السلام جامعها ومحمد بن علي عليه السلام عارفها وجعفر بن محمد عليه السلام كاتبها وموسى بن جعفر عليه السلام محصيها وعلي بن موسى الرضا معبرها ومنجيها وطارد مبغضيها ومدني مؤمنيها ومحمد بن علي عليه السلام قائمها وسائقها وعلي بن محمد عليه السلام سائرها وعالمها والحسن بن علي الهادي عليه السلام ناديها ومعطيها والقائم الخلف عليه السلام ساقيها ومناشدها إن في ذلك لآيات للمتوسمين ، وهي الكلمات التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ) و أما التي تلقاها آدم من ربه فقيل هي كلمات علمه جبرائيل وهي ((ربنا ظلمنا أنفسنا)) وفي تفسير القمي في الصحيح عن أبان بن عثمان عن أبي عبدالله عليه السلام إلى أن قال ( وعلمه يعني جبرائيل الكلمات التي تلقاها من ربه وهو سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي وأعترف بذنبي فاغفر لي إنك أنت التواب الرحيم بقي إلى أن غابت الشمس يعني يوم عرفة رافعا يديه بها فلما أصبح قام على المشعر فدعا الله بكلمات فتاب عليه ) الحديث .
وروي ( أنهم أسماء أصحاب الكساء ) انتهى ، أو أنوارهم التي في صلبه وهي الكلمات التامات التي مضت الإشارة إلى بعض مقاماتها ، وأما الأسماء التي علمها آدم عليه السلام فأسماء المخلوقات أو مسمياتها أو أسماء الكلمات التي تلقاها منه أو مسمياتها المدلول عليها بالأسماء أريها ولم تراها الملائكة .
وأما قوله إلى غير ذلك من الكلمات القرآنية .
فجوابه أن الكلمة تطلق على اللفظة وعلى اللفظ الكثير وعلى الذوات وعلى الصفات وعلى القوى وعلى جميع ما في الوجود جملة وتفصيلا وكل كلمة في آية فإن تلك الآية متكفلة ببيان ما أريد منها لفظا أو معنى أو إشارة أو إيماء أو تأويلا إلى غير ذلك فحرّك تجد .
قال : وما الصلاة الوسطى ، والصراط المستقيم ، وما الليالي العشر ، والشفع والوتر ، وما المدهامتان ، وما سدرة المنتهى ، وما جنة المأوى ، وما رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين رأى .
أقول : أما الصلاة الوسطى فلها اطلاقات تختلف باعتبار حيثيات ، فالوسطى باعتبار الأولوية والأفضلية صلاة الظهر كما روي عنهم عليهم السلام ، إذ الأوسط هو الأفضل والوسطى باعتبار وسط الصلوات التي أولها الصبح وآخرها العشاء وهي بهذا الاعتبار صلاة العصر كما في صحيحة عبدالله بن سنان وغيرها ، وباعتبار العدد كثرة وقبلة وباعتبار الترتيب الطبيعي صلاة المغرب فإنها ثلاث لا أربع ولا اثنتان وهي فاطمة عليه السلام وهي الوسطى في أصحاب الكساء أمر الله بالمحافظة على مودتها والقيام إلى نصرتها عند غروب شمس النبوة ولأن أول صلاة فرضت الظهر فتكون الوسطى هي المغرب فلذا كان وقتها واحدا ووقتها وجودها إشعارا في ضيق وقتها بوجوب المبادرة إليها والاهتمام بها وضيق وقتها يقتضي الأمر بالمحافظة عليها وباعتبار احترامها والتأكيد فيها بحيث على ناسيها صيام غده كفارة لنسيانه لها وليس بغيرها هذه المزية وذلك مناسب للأمر بالمحافظة عليها هي صلاة العشاء وباعتبار أنها تشهدها ملائكة النبي والنهار فتكتب مرتين هي صلاة الصبح ولذا لم يزد فيها اعتمادا على هاتين المرتين اشعارا بسرعة البدار إليها لذلك اعتناء بها واهتمام بشأنها فبهذه الاعتبارات والأدلة اختلفت في أيُها هي وهي من الأربعة التي أخفيت في أربعة وقيل صلاة الجمعة وقيل هي الصلاة اليومية في سائر الصلاة .
وأما الصراط المستقيم فهو الطريق إلى الله من جميع أوامره ونواهيه ومعرفة الإمام وفي تفسير القمي عن أبي عبدالله في قوله تعالى الصراط المستقيم قال ( هو أمير المؤمنين عليه السلام ومعرفته ) وفيه عنه عليه السلام في وصفه له فقال ( ألف سنة صعود وألف سنة هبوط وألف سنة حدال ) والمراد بالحدال بالمهملتين الميل والانعطاف كالقوس لتتم بالصراطين الظاهر والباطن الدورة الوجوبية من قوس الحروف الكونية وقوس الأسماء الوجودية ويرتقي العين في قاب قوسين وفيه عنه عليه السلام ( هو أدق من الشعر وأحد من السيف منهم من يمر عليه مثل البرق ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس ومنهم من يمر عليه ماشيا ومنهم من يمر عليه حبوا ومنهم من يمر عليه متعلقا فتأخذ النار منه شيئا وتترك شيئا ) أقول : إنما كان أدق من الشعر لأنه سطر قلم الابداع ولذلك يكون على أصحاب الأفئدة الذين مرَّ بعض وصفهم أوسع مما بين الارض والسماء ، وإنما كان أحد من السيف لأنه يشق الأقدام إلا لمن خفَّ من كثافة بشريته وثقلها وما ذكر عليه من أحوال السائرين عليه غير خفي على ذوي الألباب .
وأما الليالي العشر والشفع والوتر فقد مرة الإشارة إليها فلا حاجة إلى إعادته ولا إلى الزيادة خوف الإطالة .
وأما المدهامتان فهما جنتان تكونان للمقربين في الدنيا إلى ماتوا آوت أرواحهم إليهما ، وفي حديث المفضل بن عمر أنها تظهر في آخر الرجعات عند مسجد الكوفة وما وراء ذلك بما شاء الله وهي الجنة التي هبط منها آدم عليه السلام وصفتا بالمدهامتين لشدة خضرتهما وذكر المفسرون أنهما جنة أصحاب اليمين في الآخرة والحق أنهما للمقربين ولمن تبعهم في محض الإيمان من أصحاب اليمين ، والمراد بهم الخاصون في الدنيا وهي الجنة البرزخ إلا أنها ظاهر لجنة الخلد وإذا أردت الدليل والبيان فتدبر قوله تعالى ((جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا)) ولا ريب أن البكرة والعشي إنما يكون في الدنيا لا في الآخرة مع أنه قال جنات عدن وذلك لأن هذه ظاهر تلك ولذا قال ((تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا)) يعني في الآخرة ، فتدبر تفهم .
وأما سدرة المنتهى فالشجرة الكلية وشجرة العلم وشجرة الأسماء والصفات وشجرة الحروف الكونية وسدرة المنتهى شجرة في السماء السابعة غشيها نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم المعراج وكان لجبرائيل عليه السلام ستمائة جناح وقيل ستمائة ألف جناح فغمس نفسه في عين الحيوان فانتفض فخلق الله من كل قطرة من كل ريشة ملكا على هيئة الجراد من الذهب فيصعدون إلى سدرة المنتهى ويغشونها فيسبحون الله بلفظ واحد (سبحان الملك القدوس ذي الجلال والإكرام) وقيل سدرة المنتهى شجرة طوبى أغصانها من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد زسميت بذلك لانتهاء كل ملك مقرب إليها ونبي مرسل وهي في السماء السادسة والسابعة وقيل الذي يغشيها فراش الذهب وقيل نور مثل جراد الذهب ، واعلم أن الذهب يراد به الاعتدال وطبع الهيولي الثانية لأن السدرة حكم الأولى ويغشيها حكم الثانية.
وأما جنة المأوى : فالجنة التي تأوى إليها أرواح الشهداء وقد مرت الإشارة إلى شيء من ذلك .
وأما ما رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين رأى فإنه جبرائيل عليه السلام في صورته التي خلقه الله عليها مرتين أحدهما بالأفق الأعلى أي مطلع الشمس على ساقه الدر مثل القطر على البقل له ستمائة جناح قد ملأ ما بين السماء والارض وثانيهما في السماء السابعة عند سدرة المنتهى كما مر والذي رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم رأى أن ينصب عليا خليفته على أمته ((ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى)) قال علي عليه السلام ( ليس لله آية أكبر مني ولا نبأ أعظم مني ) .
قال : وما النفس الناطقة في الإنسان وما النفس الكلية في العالم الكلي والنفس المطمئنة والنفس الأمارة والنباتية وليكن الحق مترتبا ليس على قدر ما رتبناه بل على حسب ما تراه من الترتيب بعبارة يؤخذ منها التفاسير الستة وليكن غير مطلوب عليك إذا عبرت بعبارة فقل هذا على حسب الظاهر وإن شئت قلت كذا على ظاهر الظاهر وإن شئت قلت كذا وهلم جرا على ما يمكن من التفاسير .
أقول : أما النفس الناطقة في الإنسان فهي المعبر عنها بقولك أنا وهي المشار إليها في الحديث ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) يعني أن الشيء إنما يعرف بصفته وقد تعرف إليك بك ووصف نفسه لك بك ونقل أن في الإنجيل ( اعرف نفسك أيها الإنسان تعرف ربك ظاهرك للفناء وباطنك أنا ) وفي الحديث القدسي ( خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي باطنك أنا وظاهرك للفناء ) وفي كتاب الغرر والدرر عن أمير المؤمنين عليه السلام ( الصورة الإنسانية هي أكبر حجة الله على خلقه وهي الكتاب الذي كتبه بيده وهي الهيكل الذي بناه بحكمته وهي مجموع صور العالمين وهي مختصر في اللوح المحفوظ وهي الشاهد على كل غائب وهي الحجة على كل جاحد وهي الصراط المستقيم إلى كل خير وهي الصراط الممدود بين الجنة والنار ، ورواه ملا محسن في قرة العيون وغيره وفي جواب أمير المؤمنين عليه السلام للإعرابي حين سأله عن الناطقة القدسية فقال عليه السلام ( قوة لاهوتية بدأ إيجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية الذهنية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية سبب فراقها تخلل الآلات الجسمانية فإذا فراقت عادت إلى ما منه بدأت عود مجاورة لا عود ممازجة وفي ، حديث كميل عنه عليه السلام ( لها خمس قوى فكر وذكر وعلم وحلم ونباهة وليس لها انبعاث وهي أشبه الأشياء بالنفوس الملكية ولها خاصيتان النزاهة والحكمة ، وعنه عليه السلام ( وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم والعمل فقد شابهت أوائل جواهر عللها ) الحديث ، واعلم أن الكلام عليها طويل وفيما أوردنا كفاية ، نعم هنا حرف واحد وهي أن هذه الناطقة أول زوج تركب من الوجود الذي هو نور الله ومن الماهية التي هو ظل الوجود وبهذا المركب تتحقق الإنسانية فمن الوجود كونه ومن الماهية أنيته وهي من كينونة الحق بمنزلة الصورة في المرآة من الوجه فمن عرف نفسه عرف ربه فمن عرف الصورة عرف الوجه ومن عرف وصف الصورة عرف حديث الأعرابي عن أمير المؤمنين عليه السلام لما قال السائل ما النفس اللاهوتية الملكوتية الكلية فقال عليه السلام ( قوة لاهوتية وجوهرة بسيطة حية بالذات أصلها العقل منه بدات وعنه وعت وإليه دلت وأشارت وعودها إليه إذا كملت وشابهته ومنها بدأت الموجودات وإليها تعود بالكمال فهي ذات الله العليا وشجرة طوبى وسدرة المنتهى وجنة المأوى من عرفها لم يشق ومن جهلها ظل وقوى ، وفي حديث كميل عنه عليه السلام ( والكلية الإلهية لها خمس قوى بقاء في فناء ونعيم في شقاء وعز في ذل وفقر في غناء وصبر في بلاء ولها خاصيتان الرضا والتسليم وهذه التي مبدئها من الله وإليه تعود قال الله تعالى ((ونفخت في من روحي)) وقال تعالى ((يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية)) والعقل وسط الكل ، انتهى .
وهذه هي بمنزلة تلك من الإنسان الجزئي إلا أن تلك القبضة من هذه لأن هذه هي اللوح المحفوظ والكتاب المسطور وهي التي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله ( فإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد ) .
واعلم أن هذه قد يعبر عنها بالكرسي الذي هو العلم الظاهر وقد يعبر عنها بمحل المشيئة الإلهية وذات الذوات إلى غير ذلك من أسمائها .
وأما النفس المطمئنة فقد تطلق تارة على ما يقابل العقل بعد قتله وتعلمها عمل العقل حتى تطمئن وتتخلق به وهذه بالأصل هي النفس الأمارة فتكون بالمجاهدة لوامة وهي التي تلوم صاحبها على المعصية بل قد تلومه على الطاعة وعلى المعصية لما فيها من النور فإذا غلبت عليها سطوات الجبروت لامت على المعصية خاصة وهي التي قال تعالى ((ولا أقسم بالنفس اللوامة)) فإذا استولت على أنيتها سبحات الجبروت حتى فنيت ((فكلوا مما أمسكن عليكم)) فإذا حييت بالقتل كانت اخت العقل وإليه الإشارة بتأويل قوله تعالى ((فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينهم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول)) وهو العقل فإذا كانت كذلك كانت أخت العقل وكانت مطمئن إليه بذكر الله .
وأما النفس الأمارة فهي المقابلة للعقل وهي وجه المهية التي ما شمت رائحة الوجود وإنما كانت أمارة بالسوء لأن الوجود ظل الكامل فهو متهيئ للكمال فله نهايات هي أنحاء كمالاته يميل إليها طلبا لكمالاته والمهية ظهره وجدة بالعرض تبعا له فلزمها ما لزمه فهي متهيئة لطلب كمالاتها كالوجود إلا أن الوجود كماله وجود والعدم كماله عدم فلها نهايات هي أنحاء كمالاتها تميل إليها طلبا لكمالاتها من الشرط والإعدام من النفس الأمارة كما أن الوجود إنما ينظر إلى كمالاته من الخيرات من العقل فالنفس أمارة بالسوء الذي هو مناسب لوجودها لذاتها وأما النفس النباتية فقوة أصلها الطبائع الأربع وإيجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد مادتها من لطائف الأغذية فعلها النور والزيادة وسبب فراقها اختلاف المولدات فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة ، عن علي عليه السلام نقله الملا في قرة العيون والشيخ المكي في المنازل وفي جوابه عليه السلام لكميل ( لها خمس قوى ماسكة وجاذبة وهاضمة ودافعة ومربية ولها خاصيتان الزيادة والنقصان وانبعاثها من الكبد ) انتهى ، وهي قوة جسمانية لا تجرد فيها بل تقبل القطع الحسي فافهم ، وقوله بعبارة تؤخذ منها التفاسير الستة يريد بها تفسير الظاهر وظاهر الظاهر والباطن وباطن الباطن والتأويل وباطن التأويل وقد مضى الإشارة إلى بعض ذلك فشيء مبين كما أريد وشيء غير مؤيد ببيان ولا يمكن فيه غير ذلك ويأتي من ذلك شيء إن شاء الله تعالى .
قال : المسألة الخامسة قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( اللهم زدني فيك تحيرا ) مع علو مقامه ، وقول علي عليه السلام ( لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ) .
أقول : يريد ما وجه الجمع بين كلامه صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه أعلى مقاما من علي عليه السلام بما لا يخفى وبين كلام علي عليه السلام والجمع بين ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أن يسأله زيادة العلم وهو سأل ربه أن يزيده فيه تحيرا والمراد من طلب زيادة العلم طلب ما لم يعلمه مما يكن في حق الممكن مما لم يكن ومما يطرح من النسخ ومن المحو والإثبات من سر البداء مما لم يكن بعد لدوام الافتقار الممكن أبدا ولدوام المدد فما أفاض عليهم ففي قبضته وما لم يصل إليهم ففي حضرته وتلك الإمدادات ظهوراته بكل لكل ولا غاية لذلك الذي يسمى فوارة النور لأن ذلك ينبوع آثار العلم المطلق والقدرة الجامعة والكرم والأيادي الواسعة وهو سبحانه يظهر فيما يشاء لمن يشاء ولا غاية ثم ولا نهاية لتلك الظهورات لكونها آثار ربوبية الحق التي هي كينونته التي هي علمه بها ولا غاية لعلمه ولا لصفته ولا لأثر تلك الصفة فإن في الإطلاع إلى ذلك كمال المعرفة وإليه الإشارة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذا ( اللهم زدني فيك معرفة ) ولي في مثل هذا المقام كلام في البيان هياكل التوحيد وأثر تعلق العلم بالمعلوم إذا استخرجت الكنز منه عرفت أن ما طلبه صلى الله عليه وآله وسلم لا غاية له بل هو وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى وإن الإمكان المطلق الذي هو ظل الكينونة التي هي علمه بخلقه هو منشأ الحيرة المطلوبة فابذل جهدك في فهمه لتحضى بمكنون علمه فإن العاثر عليه أعز من الكبريت الأحمر ولا تعد عيناك عنه فليس وراء عبادان قرية وهو ،
( بسم الله الرحمن الرحيم ) قال العبد المسكين أحمد بن زين الدين الأحسائي في بيان ما يمكن العبارة عنه من صفة تعلق علم الله بالمعلومات من حيث هي معلومات إذ بدون تلك الحيثية لا سبيل للمكن إليه وتلك الصفة صفة رسم لا صفة قدم فإن القديم يتعالى عن الحدوث لكل اعتبار والعبارات تعبير وتفهيم وإن كان ذلك النظر بعين منه فإن ذلك النظر وتلك العين من المعاني وهي فينا من المعاني السفلى وهي من المعاني العليا كالشعاع من المنير وتلك العليا هي التعين الأول وهو أول مظاهر الذات فافهم .
فأقول : اعلم أن الله سبحانه علم المعلومات بعلمه الذي هو ذاته إذ لا شيء غيره بما يمكن في ذواتها وما يمتنع في رتبة الإمكان وهو إذ ذاك عالم إذ لا معلوم وعلمه بها هو كينونة الذات على ما هي عليه مما له لذاته بلا اختلاف ولا تكثر وهو الربوبية إذ لا مربوب فاقتضت ذواتها بما هي مذكورة به في كل رتبة من مراتب الوجوب والجواز من الأزل إلى الحدث إلى الابد الذي هو ذلك الأزل ما يمكن لها ويمتنع في الإمكان في كل رتبة بحسبها من صفة الكينونة التي هي ربوبية تلك الإقتضاءات وتلك الصفة هي نور الكينونة وظلها وتلك الإقتضاءات هي سؤال المعلومات ما لها من تلك الصفة ، فحكم لها ثانيا حين سألها بسؤالها بما سالته في كل رتبة بما لها فيها وهذا الحكم هو تلك الصفة التي هي ظل الكينونة وهو الربوبية إذ مربوب وبها قام كل مربوب في كل رتبة بحسبها وتلك المعلومات بكل اعتبار لا شيء إلا أنها لا شيء في الأزل بمعنى الامتناع إلا بما هي شيء في الحدوث بمعنى الإمكان في الإمكان ، وأما في الإمكان فهي شيء بما شاء كما شاء يعني أنها شيء بذلك الحكم وهو ظل الكينونة فأعطاها بحكمه ومشيته ما سألته من الوجود وأمكن فيها ما اقتضته من الإمكان وإن لم تقتضه في الوجود فيما لم تقتض وجوده في الوجود تقتضي وجوده في الإمكان وهاتان الرتبتان اقتضاء ما يمكن لها من تلك الصفة المذكورة لأنه إذا شاء اقتضت ما في الوجود في الإمكان وما في الإمكان في الوجود بأن ذلك هو ما لها من تلك الصفة التي هي المشيئة التي بها الإقتضاء وذلك حكم الاختيار الربوبي فلم تقتض إلا ما شاء لأن مشيئته هي الربوبية إذ مربوب وهي صفة الربوبية إذ لا مربوب كما مر ولم يشأ إلا ما اقتضته مشيئته وتلازمهما في التحقق الظهوري وتقدم المشيئة على الاقتضاء ذاتا كمثل تلازم الفعل والإنفعال في التحقق الظهوري كالكسر والإنكسار وتقدم الكسر على الإنكسار ذاتا وإن تساوقا في التحقق الظهوري ، وتلك الربوبية إذ لا مربوب التي هي الكينونة كما مر هي علمه بمخلوقاته أولا وصفتها التي هي ظل الكينونية وظل الربوبية إذ لا مربوب علمه بمخلوقاته ، ثانيا قال تعالى إشارة إلى الرتبتين ((ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)) فما شاء من علمه يحيطون بشيء منه كما شاء فافهم ، وهذا العلم الذي لا يحيطون بشيء منه أي الكينونة هو من علمه بذاته الذي هو ذاته كيدك منك كما في رواية حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام وكما في رواية هشام بن الحكم عن أبي عبدالله عليه السلام وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين فتفهم هذا الكلام راشدا موفقا لتعرف مطلوبه الذي يوجد الحيرة التي لا هداية فيها ولا ضلالة ولا معرفة ولا جهالة وهو انغماسه في بحر تلك الصفة التي هي صفة الكينونة الذي لا ساحل له لأنه صلى الله عليه وآله كلما تسنم درجة وضع له رفيع الدرجات درجة ولا غاية لذلك .
وأما قوله عليه السلام ( لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ) مع أن مقامه دون مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإجماع وحديث ( لولاك لما خلقت الأفلاك ) وقول علي عليه السلام ( أنا عبد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) وقوله عليه السلام ( رسول الله إمامنا حيا وميتا وأنا من محمد كالضوء من الضوء ) فتوجيهه من وجوه أحدها وهو أظهرها أن المراد بكشف الغطاء الموت ، والغطاء الجسد غطاء على الروح ولما كان الإنسان إذا زكى نفسه بالعلم وجاهد الجهاد الأكبر حتى يقتلها كما أمره الله قامت قيامته وكشف عنه الغطاء وعرف موصوله ومفصوله وعرف من أين وإلى أين وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد بحيث يكون وجوده علة للأكوان كان موته الذي هو كشف الغطاء الجسماني لا يزيده يقينا لأنه قد أمات نفسه لقوله ( هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين ) وإنما يزداد يقينا بما سيكون من لم ينكشف له الأمر على ما هو عليه في الواقع فلذا قال عليه السلام ( لو كشف الغطاء ) أي الجسم على الروح بالموت ( ما ازددت يقينا ) لعدم جهله بشيء من الأقوال الموعود بها التي لا تدرك إلا بعد الموت وبعدم احتمال وقوع نقيض ما أشرف عليه وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( اللهم زدني فيك تحيرا ) ليس من هذا القبيل فلم يتحقق التناقض ، ولنقتصر على هذا لظهوره .
قال سلمه الله : والتلفيق بين قوله عليه السلام ( عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيبا ) وبين قوله تعالى لموسى عليه السلام ((لن تراني)) .
أقول : اعلم أنه ليس شيء بحقيقة الشيئية لذاته إلا الواجب تعالى وما سواه فهو شيء بالواجب لا بنفسه ولا بسوى الواجب غيره فمن شهد هذا المشهد فقد رأى الله تعالى أبدا رقيبا عليه لأن كل ما سوى الله شيء بالله لا غير ومن لم يرَ الله تعالى كذلك فقد عمي قلبه عن الحق وحقيق لمن لم يتحقق ، تأمل قوله عليه السلام يعني الحسين عليه السلام في مناجاته يوم عرفة في الحرف الذي قبل هذه الحرف قال عليه السلام ( أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيبا ) الدعاء .
وفيه ( ماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدك ) فتمثل هذا تستبصر أمرك ، وأما قوله تعالى لموسى عليه السلام ((لن تراني)) لما سأله القوم السبعون الذين اختارهم الرؤيا أخبرهم أنها لا تصح على الله إذ الأشياء إنما تدرك أمثالها وإنما تشير الآلات إلى نظائرها ، وألـحّوا عليه فاستأذن ربه أن يسأله ما سألوه ليبين استحالة ما طلبوا بسبب ما يترتب على تلك المسألة فأخبره تبيينا لهم بما يترتب على ذلك بعد أن أجابه بـ ((لن تراني)) فلا تنافي بين الرؤيا في الأول لأن المراد بها تحققه بذاته في كل شيء وعدم تحقق ما سواه في كل حال وإليه الإشارة بقول الصادق عليه السلام في قوله تعالى ((أولم يكفِ بربك أنه على كل شيء شهيد)) أي موجود في حضرتك وفي غيبتك وهذه رؤية الشهود والمعرفة وبين تلك الرؤية فإنها رؤية الحواس والإدراك والإحاطة .
قال : والتلفيق بين التوصل له بالتفكر في مصنوعاته وإنما سمي العالم عالما لأنه يعلم به الصانع وبين قوله عليه السلام ( اعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة ) وقوله عليه السلام ( يا من دل على ذاته بذاته ) .
اعلم : أن معرفة الله على مراتب أحدها الاستدلال بالآثار على المؤثر ولذا قال بعضهم إنما يسمى العالم عالما لأنه يعلم به الصانع أي يستدل به على وجود صانعه وهذه معرفة المتكلمين وأهل الظاهر ، وهذه تفيد وجود الصانع لأن الأثر يدل على المؤثر وأما قوله عليه السلام ( اعرفوا الله بالله ) فهي معرفة أولي الأفئدة ، فالجهتان مختلفتان فلا تنافي ، نعم قد يراد بالنظر في المصنوعات التفكر والاعتبار لينتقل بذلك إلى مشاهدة ظهور المؤثر في آثاره فإذا شاهد الظهور نفى حيث ولم وكيف وعاين ظهوره لها بها فيكون ذلك معرفة الله بالله ألا تسمع إلى قول سيد الشهداء عليه السلام في مناجاته دعاء يوم عرفة ، قال عليه السلام ( إلهي أمرتني بالرجوع إلى الآثار فأرجعني إليها بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار حتى أرجع إليك كما دخلت إليك منها مصون السر عن النظر إليها ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها إنك على كل شيء قدير ) تأمل قوله عليه السلام حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها ، وقوله مصون السر عن النظر إليها ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها ولا نعني بالشهود إلا صون السر عن النظر إليها وعدم الاعتماد عليها وهذا في الحقيقة معنى ( اعرفوا الله بالله ) إذ معنى اعرفوا الله بالله أن تعرفه به لا بصفة أحد من خلقه فلا نِدَّ له ولا بعكس شيء من خلقه فلا ضد له ، ومعنى قولنا أن تعرفه به أن يتوجه سرك إلى شيء ثابت بحقيقة الشيئية كما نعت به نفسه من غير إشارة ولا كيف ولا شيء سواه الدال بذاته على ذاته بحيث لا تشهد في وجودك غيره ولا وجود لك غير وجوده الظاهر لك بك ولا تراه بسواه لأن تلك عين منه رأيته به .

قال الشاعر :
ومخطوبة الحسن محجوبة فلا تألفن سوى ألفها
إذا ما تجلت إلى عاشق واهتدت إليه شذا عرفها
تغيب الصفات وتفنى الذوات بما أبرز الحسن من وصفها
فإن رام عاشقها نظرة ولم يستطعها فمن لطفها
أعارته طرفا رآها به فكان البصير بها طرفا
ومعنا آخر هو أنك إذا وصف لك شخص قصرا لم تره ولم تعلم به فقال فيه مثلا خمسة بيوت كبار فإنك لا تنكر ذلك وإن قال صغار لم تنكر وإن قال لك ذلك القصر هل هو هكذا أو لا فإنك تقول لا أعلم فلا تجد من نفسك نفيا ولا إثباتا وذلك لأنك لا تعلمه ولو قال لك هو قصر مصنوع قلت نعم لأنك عرفته بنظائره لا بنفسه والحق سبحانه لو قيل لك هو أحمر قلت لا هو أبيض قلت لا هو طويل قلت لا هو كذا قلت لا حتى تعد جميع ما يسعه وجودك وأنت تنفيه ولو قيل هو موجود قلت نعم فهذا أدل دليل على أنك عرفته وإلا لم تنف عنه ما لا يليق به فلو لم تعلم بوجوده لما قلت نعم أنه موجود ولو عرفت بغيره كما عرفت القصر بغيره من القصور ولم تنكر ما قيل لك في القصر وإن كان مخالفا للواقع لأنك لا تعرفه وأنكرت ما قيل لك في الحق تعالى أنه بصفة شيء من الخلق لأنك تعرفه ولو عرفته تعالى بغيره لشبهته به ووصفته بصفته فإذا كنت قد عرفت لنفيك ما لا يجوز عليه وإثباتك لما يجوز عليه ولم تعرفه بغيره كذلك كنت إنما عرفته به لا بسواه والأصل في ذلك أن الشيء إنما يعرف بصفته لا بصفة غيره فألوهيته إنما تعرف بصفته وصفتها ما أظهر في هويتك من تلك الصفة وذلك هو ظهوره لك بك فتعرفه بما أظهر فيك الذي هو حقيقتك وأنا أعرفه بما أظهر في هويتي الذي هو حقيقتي من الوجود وهو ظهوره لي بي لا بما أظهر فيك فكل يعرفه بما تعرف له به وليس ذلك شيئا غير ذلك العاطف ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) فالمعرفة بالآثار معرفة وجود ومعرفة الله بالله معرفة شهود .
قال سلمه الله : وما التوفيق بين قوله تعالى ((لئن أشركت ليحبطن عملك وليحملن أثقالا مع أثقالهم)) والآيات الدالة على أن ما عمل أخيرا يمسخ الأول من خير وشر وبين قوله ((لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)) .
أقول : يريد بهذه الآيات بيان القول بالإحباط وعدمه واختلاف الآيات ظاهرا في نفاد هذا المعنى ولنا كلام في تحقيق هذه المسالة في أجوبة مسائل الشيخ الأواه الشهيد الشيخ عبدالله بن محمد بن أحمد بن غدير البحراني تغمده الله برحمته وأحل بقاتله وبال نقمته وفي بيان بطلان القول بالإحباط بلا مزيد عليه في التحقيق ولا يدانى في التدقيق فمن أراده وقف عليه في رسالتنا المذكورة ، ولنذكر بعض الإشارة ، وهي أن الإحباط لا يتحقق في الحسنة المتحققة وأما الحسنات التي لم تتحقق يجري فيها الإحباط وعلى هذا يحمل الآيات الدالة على ذلك والروايات كذلك والمراد بالمتحقق ما كان أصله ثابتا بأن قصد به وجه الله على الوجه المأمور به وغير متحقق غير الخالص في أصل دواعيه فإن المتحقق لا يضره ما يمر عليه لأن أصله ثابت وغير المتحقق أصله مجتث فإذا جاءته ريح الهوى طار كالرماد ، وفي الكافي عن معاوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام قال ( قيل له وأنا حاضر الرجل يكون في صلاته خاليا فيدخله العُجُب فقال عليه السلام إذا كان أول صلاته بنيته يريد بها ربه فلا يضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته وليخسأ الشيطان ) وفيه في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال ( إذا أدى الرجل صلاة واحدة تامة قبلت جميع صلواته وإن كنَّ غير تامات ) الحديث ،
والمراد من قوله عليه السلام غير تامات ما هو أعم من الأجزاء بدليل قوله عليه السلام ( بعد وإن أفسدها لم يقبل منه شيء منها ولم تحسب له نافلة ولا فريضة وإنما تقبل النافلة بعد قبول الفريضة وإذا لم يؤد الرجل الفريضة لم تقبل منه النافلة ) الحديث ، فظهر أن معنى الأداء تامة موافقة الشرع وإن غير تامة هو الإفساد فبين عليه السلام أن الواحدة التامة لا يتطرق إليها إحباط لأن أصلها ثابت وإنما يتطرق الإحباط إلى العمل الذي ليس له أصل وإن كان يوهم الجاهل أنه عمل صالح بل هو باطل في صورة صحيح ، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ((والله يشهد أنهم لكاذبون)) فقد تكون من مثل هذه أعمال في صورة حسنة وهي ميتة إذ لا روح فيها من النية الصادقة فإذا قوبلت بالسيئات عادلتها وأسقطتها بل هي في الحقيقة سيئات ((قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ظل سعيهم بالحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)) فإذا صدر من عبد عمل صالح حقيقي كان أصله متصلا بالنور وإلا فليس بصالح ومحتد النور لا يلحق به محتد الظلمة ولا تحصل الموازنة ، وبالجملة فالإحباط يتحقق في غير الخالص لأنه ليس بعمل صالح ، وأما التوفيق بين ((وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم)) وبين ((لها ما كسبت)) الآية .
فبأن الإثقال التي مع أثقالهم هي في الحقيقة من لطخ طينتهم وأوزار بدع ابتدعوها فحملوا ثمارها وقال صلى الله عليه وآله وسلم ( ومن يزرع خيرا يحصد غبطه ومن يزرع شرا يحصد ندامة ) وهو معنى ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)) فلا تنافي .
قال سلمه الله : وما التوفيق بين قوله عليه السلام ( ولكني أتخوف عليكم عذاب البرزخ ) وبين ( ما دل على أنهم يحضرون الأموات في قبورهم وحسابهم ) .
أقول : إن تحقيق هذه المسألة مما يطول به الكلام ولا يسعه المقام ولكني في راحة من جهة من ألقي إليه هذا الجواب وهو السائل لأنه تكفيه الإشارة والقليل يكفيه عن تطويل العبارة ، فاعلم أن الأعمال صفات العامل ولكل موجود وجودان ، فالأعمال وجودها الدنياوي وهو ما ترى ووجودها الأخروي ما أخبر به الشارع من النعيم ونيات العاملين ثلاثة وأيام الحصاد ثلاثة فالأعمال الذي لا روح لها وإنما الباعث عليها من النية إنما هو في الدنيا للدنيا ويوم حصاد هذا العمل الدنيا وإليه الإشارة بقوله تعالى ((أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)) والأعمال التي منشأ بواعثها الخيال فيوم حصادها البرزخ والأعمال التي دواعيها من القلوب والأفئدة فيوم حصادها الآخرة ، ويحصدون منها في اليومين الأولين قليلا مما يأكلون فمعاصي هذه الفرقة المحقة في الحقيقة كلها أو جلها من القسمين الأولين لأن صدور المعاصي منهم من أمر عارض وهو لطخ الطين الخبيثة ونفوسهم الطيبة طاهرة فإذا تلوثت تلك الظواهر طهرت في البرزخ على حسب المقتضى والذين يحضرونهم في قبورهم وحسابهم هم الذين يطهرونهم ليردوا عليهم يوم القيامة طاهرين فلا منافاة .
قال سلمه الله : وما التوفيق بين الأخبار الدالة على أن الناس يحشرون كلهم عرايا يوم القيامة وبين ما دل على أن المؤمن يخرج مكسيا من حلل الجنة .
أقول : وهذه المسالة أيضا أغرب من أختها ولكن التلويح لديه تصريح ، اعلم أن الأرض تأكل ما عليهم من الأكفان وتنقص منهم الأرض أعراضهم وأغراضهم ويحشرون كما انشئوا ، قال تعالى ((ولقد جئتمونا فرادا كما خلقناكم أول مرة كما بدأكم تعودون)) فتعودون عراة لا ستر يواري عورات معاصيهم ولا كثافة الجسد تغطي أعمالهم عن الناظرين ولا حلة تكتم نتن فائح ذنوبهم بل أسرارهم مكشوفة وأحوالهم بادية معروفة ، قال تعالى ((ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا)) وأما المؤمنون فقد اكتسبوا لباس التقوى ذلك خير فستر الله بها عوراتهم وأنوارهم أشرقت بأعمالهم وخلة أخوانهم المتقين بيّضت وجوههم وطيبت روائهم وهي حلل من الجنة أنزلها سبحانه في الدنيا فلبسوها قال تعالى ((يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا)) ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يتذكرون)) وروى الصدوق في كتاب مدينة العلم بإسناده إلى أبي عبدالله عليه السلام قال ( تنوقوا في الأكفان فإنكم تبعثون بها ) انتهى ، وفيه ( أجيدوا أكفان موتاكم فإنها زينتهم ) وروى صاحب كتاب سير الأئمة بإسناده إلى الصادق عليه السلام قال ( إن أبي أوصاني عند الموت فقال يا جعفر كفني في ثوب كذا وكذا فإن الموتى يتباهون بأكفانهم ) الحديث ، واعلم أن هذا الكفن المعروف إذا كان من مال طاهر كما قال موسى بن جعفر عليه السلام كما رواه المفيد في إرشاده إلى أن قال عليه السلام ( وأكفان موتانا من طهر أموالنا وعند كفني ) انتهى ، فإنه تبلي الأرض ظاهرا ويخرج مستترا بباطنه فإنهم يتباهون بأكفانهم ولا تبلي الأرض إلا ما كان من جنسها فافهم راشدا موفقا .
قال سلمه الله : وما معنى قول جبرائيل عند موت محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا آخر هبوطي إلى الدنيا فالآن أصعد منها ولا أنزل أبدا وبين ما دل على نزوله إلى الأرض .
أقول : معناه هذا آخر هبوطي إلى الدنيا بإنزال الوحي لأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وأما نزوله إلى الأرض بعد ذلك فهي لغايات أخر كإظهار معجز لأمير المؤمنين عليه السلام كما نزل في مسجد الكوفة عليه صلوات الله عليه فسأله أين جبرائيل وغير ذلك ، وكذلك على أبنائهم الطاهرين صلوات الله عليهم أو نزولهم لإسماع الصوت وإنزال الإلهام وغير ذلك وأما نزوله إلى الأرض بالوحي فهو من خواص الأنبياء عليهم السلام وقد مات خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم .
قال : و ما التوفيق بين قوله تعالى ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)) وبين قوله تعالى (( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم)) على حسب ما نحن فيه وكل ذلك لأجل المعرفة التي تمكن في حقنا بالنسبة إلينا وانتزاع المعرفة من نفسي والترقي إلى الموعظة الحسنة ثم الحكمة .
أقول : قد ذكر قبل بعض الإشارة إلى ذلك أن الأعمال صفة العاملين فلا تكون صفة زيد صفة لعمرو فلو وزر وزره لكان صِفَتَهُ صِفَتَهْ على أن الصفة إنما أوجدها الله بموصوفها فلا تكون موجودة بغيره وإلا لم تكن صفة له فلا يحمل شيء من حمل مثقله وإن دعت إلى حملها وهذا حكم معقول ومنقول ، وأما قول تعالى ((وليحملن أثقالهم وأقالا مع أثقالهم)) فهذا معنى قد تكفل ببيانه أخبار الطينة وأن هذه الأثقال من لطخ طينتهم ، فلا تنافي بينها وبين الأولى .
وأما قوله سلمه الله على حسب ما نحن فيه وكل ذلك لأجل المعرفة التي تمكن في حقنا بالنسبة إلينا . . .ألخ .
فقد أشير إلى مطلوبه على حسب ما يقتضيه الحال إلا ما لا يمكن القول به فقالوا عليهم السلام ( ما كل ما يعلم يقال ولا كل ما يقال حان وقته ولا كل ما حان وقته حضر أهله ) انتهى ، فكل ما حان وقته ذكر وقد أشير إلى أشياء كتمتها الإشارات كما كتمتها العبارات .
قال : السادسة أن تصف لنا وضع دائرة العقل وما يقابلها من الأسماء والحروف بأن يكون قوس أقبل وقوس أدبر وما يقابلهما من الأسماء مثل ما وصفت لك وكذلك الحروف وكذلك دائرة الجهل ليمكن وضعها على النحو الذي أشرت لك فيه .
أقول : أما معنى دائرة العقل ومقابلها بدائرة الجهل فقد تقدم ذكر ذلك ولم يبق إلا صورة ذلك النقشية باعتبار ترتيب أنواعها على سبيل التمثيل ، واعلم أن وراء دائرة العقل التي حدثت من أدبر فأدبر وأقبل فأقبل وحدثت بحركتي هذه الدائرة دائرة الجهل فبإدبار العقل أقبل الجهل وبإقباله أدبر الجهل وستقف على مثال كل منهما فتراهما متعاكسين في الحقائق الكونية والأسماء والحروف ووراء هذه دائرة الأمر والإبداع ولها أسماء في الإصطلاح منها التعين الأول والعلم المطلق والوجود المطلق والوحدة الحقيقية وفلك الولاية المطلقة والتجلي الأول والرابطة بين الظهور والبطون والمحبة الحقيقية والحقيقة المحمدية وقابلية الأولى ومقام أو أدنى وبرزخ البرازخ والبرزخية الكبرى وأحدية الجمع ووراء هذه الدائرة رتبة الذات والوجوب ولها أسماء باعتبار الأصطلاح منها اللاتعين وأزل الآزال وغيب الغيوب والوجود البحت ومجهول النعت وعين الكافور وذات ساذج ومنقطع الإشارات والمنقطع الوجداني وغيب الهوية وعين المطلق وذات بلا اعتبار ومرتبة الهوية ، وأما دائرة العقل ظاهرا فهي مشتملة على قوس ظاهر العلم وباطنا مشتملة على قوس ظاهر الوجود وهذه صورتها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وهذه دائرة الجهل وكفة السيئات من الميزان الحق وهي بعكس دائرة العقل في الوضع وفي الاقتضاء والأسماء والصفات وفيها عكس كل ما في تلك الدائرة دائرة العقل بحيث لو سقط شيء من دائرة العقل لم يسقط إلا على ضدّه العام من دائرة الجهل ، وإنما لم نذكر أسماء الأقبال والمقابلة بصورة الأقبال والصعود والنسبة إليه ظاهرا لوجهين أحدهما أن تلك الأسماء هي معارج الإقبال ، ودائرة الجهل لا صعود فيها ولا إقبال لها بالذات فلم نذكر الأسماء المقابلة فيها من الأعيان ، وثانيهما أن تلك الأسماء ليست بحسنى فلا يجوز نسبتها إليه وهذه صورتها . . . . . . . . . .
واعلم أنه قد بدا لنا أن نذكر أسمائها السواي فإنها أصحاب الشمال ، قال تعالى ((للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء)) وتدبر الوضعين يظهر لك المكتوم من البين وينحلّ عنك شرك الأين وما لم يذكر في هذه الدائرة فلأجل ما قلناه سابقا فتدبر والسلام على محمد وآله الطاهرين .
قال سلمه الله تعالى : ما حدّ الزهد المنبغي منا والذي ينبغي لنا والذي ينبغي استعماله .
أقول : إن الزهد له مراتب باعتبار مراتب الزاهدين ;
زهد المقربين : لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به خوفا مما فيه بأس ، وسئل الصادق عليه السلام عن الزاهدين في الدنيا قال ( الذي يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عقابه .
وزهد أصحاب اليمين : ما رواه السكوني عن أبي عبدالله عليه السلام قال ( قلت له ما الزهد في الدنيا قال ويحك حرامها فتنكبه يعني أن الزهد ترك ما حرم الله وهو زهد أصحاب اليمين واعلم أن الزهد زهد عن الفاني ورغبة في الباغي فطالب الدنيا للآخرة ولما يريد الله زاهد وصدقه أن يتوكل على الله ولا يعتمد على ما سواه ، قال الصادق عليه السلام ( ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ولا تحريم الحلال بل الزهد في الدنيا ألا يكون بما في يديك أوثق منك بما عند الله عز وجل وكأنه عليه السلام يريد بقوله ( ولا تحريم الحلال ) إشارة إلى قوله تعالى ((قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)) يعني أن الزهد ليس بترك ما أحل الله بل بالثقة بما عند الله وعدم الركون إلى دار الغرور وشكر النعم وشهودها من المتفضل بها ، قال أبو الطفيل عامر بن واثله سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول ( الزهد في الدنيا قصر الأمل وشكر كل نعمة والورع عن كل ما حرم الله عز وجل ) انتهى ، وشكر النعم باللسان والجنان والأركان وسئل علي بن الحسين عليه السلام عن الزهد فقال ( عشرة أجزاء فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا إلا وأن الزهد في آية من كتاب الله تعالى ((لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)) وفي النهج عنه عليه السلام ( الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال تعالى ((لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)) ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه ) انتهى ، ثم اسمع قول الله ((أنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الآية)) واعلم أن الأمانة اقتحام العقبة كما قال تعالى ((فلا أقتحم العقبة)) والعقبة على ثلاثة أحوال ، عقبة الولاية وعقبة التكليف وعقبة التوحيد ، فالأولى يعني التوالي بالأئمة عليهم السلام فك رقبهّ بهم وبمعرفتهم تفك الرقاب من النار ((يتيما ذا مقربة)) يعني به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرباه ((أو مسكينا ذا متربة)) هو أمير المؤمنين عليه السلام يترب بالعلم أي مستغن به كثر علمه كأنه بقدر التراب والمراد بالتراب ما في اللوح المحفوظ مما كتب القلم وإليه الإشارة بقوله تعالى ((أفلا يرون أنا نؤتي الأرض ننقصها من أطرافها)) يعني بموت العلماء ، فالمراد باقتحام العقبة موالاه يتيم ذا مقربة أو مسكين ذا متربة يعني محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ، والثاني عقبة التكليف وهي على ثلاث عقبات ، الأولى عقبة الطاعة قولا وفعلا بموافقة الكتاب والسنة بالإخلاص وهي رتبة العوام ، والثانية عقبة حفظ الجوارح من المحارم واستأمالها في الطاعة بموافقة الكتاب والسنة بالإخلاص وهي للخواص ، والثالثة عقبة حفظ الباطن من الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية بموافقة الكتاب والسنة بالإخلاص وهي للخصيصين وقدمت هاتين العقبتين لكونهما شرطين للثالثة وهي عقبة التوحيد أن تمحوا الكثرة فإنها موهومة وأنت فيها وتتوجه إلى وحده بحت وهي وجهه الذي حيثما تتوجه وإليه توجهك في حضرتك وغيبتك ومما ينبغي أن تخرق سفينة نفسك بمنقار الناقور وتطهرها من صفات الفجور لتخرج من الظلمات إلى النور على يد خضر العقل وكليم المناجاة وتقتل غلام شهوتك وتبني جدار طاعة الله لتستخرج كنز معرفته قال بعض العارفين (من خرق سفينة عجبه وقتل غلام تكبره وبنى جدار زهده كشف له عن سر معرفته لربه) وقال (النفس بلقيس والدنيا عرشها والقلب سليمان والآخرة ملكه والعقل الهدهد فسلّط يا أخي هدهد العقل بمرسوم النقل على بلقيس النفس وهدهدها بجنود الحق ولا تقبل منها هدية الخداع وأرسل عليها عفريت الخوف ونكر لها عرش شهوتها وأمرها بالدخول إلى صرح التسليم فإذا قامت عليها الحجة وشهدته صرحا ممردا بعدما كان لجة فعند ذلك ترجع إلى ربها راضية مرضية وتسعد بالسعادة الأبدية مَثَل النفس كمثل المرأة كلما تجد لها ثوب ظهرت به للناس ليرى عليها أو تدعوهم به إلى نفسها ) انتهى ، ثم اعلم أن الطهارة على ثلاثة أقسام ، طهارة الشريعة بالماء والتراب وطهارة الطريقة بالتوبة عن السيئات وطهارة الحقيقة بعدم رؤية الحسنات ، والمعرفة على ثلاثة أقسام ، العبيد ذات وصفات وروح ومعرفة العبادة نية وأفعال وأقوال ومعرفة المعبود أسماء وأفعال وصفات والعلم على ثلاثة أضرُب علم شريعة وهو يؤخذ من المنقول بنظر العين أو سماع الأذن وطريقة الكسب بالدرس والسماع وثمرته الأخبار عن الله ، وعلم طريقة يدرك بالقلب بواسطة الإلهام وطريقة العمل بالأول مع الإخلاص والمجاهدة وثمرته المعرفة ، وعلم حقيقة وهو بالسر بفيض الحق من واسطة إلا نفس ذلك الفيض وطريقه العمل بالأولين وثمرته القرب والأنس والمشاهدة فالأول شجرة ثابتة والثاني ثمرة دانية والثالث خاصية إليه باقية فمن أراد فعليه بتحصيل الثمرة الكاملة وليجتهد في إحسانها ومن أراد هذه فعليه بغرس الشجرة وإصلاح أرضها وتنقيتها وسقيها وكثرة تعادها عن الشوك وعن كل مفسد كالرياح والسبخ وكثرة السقي وقلة المضرين وتب عن ذلك كله توبة نصوحا ، والتوبة على ثلاثة أقسام : توبة بالأقوال وهي توبة العوام ، وتوبة بالأفعال وهي توبة الخواص ، وتوبة الأحوال وهي توبة خواص الخواص ، فالأولى عن السيئات والثانية عن الحسنات والثالثة عما سوى الله ، واعلم أن العلماء قد ذكروا كثيرا من علوم الأخلاق وتهذيب النفس وكيفية سلوك الطريق المستقيم العادل إلى الله تعالى في كتبهم وأخبار أهل العصمة عليهم السلام مشحونة بذلك فمن أراده وقف عليه ؟
قال سلمه الله تعالى : السابعة شرح قول الإمام الهادي عليه السلام في رسالته لأصحابه ( في الأمر بين الأمرين والمنزلة بين المنزلتين ) وهذه صورته : من علي بن محمد سلام على من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته فإنه ورد عليَّ كتابكم وفهمت ما ذكرتم من اختلافكم فيه بكم وخوضكم في القدر ومقالة من يقول منكم بالجبر ومن يقول بالتفويض وتفرقكم في ذلك وتقاطعكم وما ظهر من العداوة بينكم ثم سألتموني عنه وبيانه لكم وفهمت ذلك كله ؟
أقول : هذه الرسالة الشريفة نقلها الشيخ المفيد رضوان الله عليه من كتاب تحف آل الرسول صلى الله عليه وعليهم وقد اشتملت من بيان المنزلة بين المنزلتين في أفعال العباد والرد على أهل الجبر والتفويض على ما لا يوجد مثله من البراهين القاطعة الإلزامية من طريق المجادلة بالتي هي أحسن وقد تضمنت أدلة الموعظة الحسنة وأدلة الحكمة على أكمل وجه وينبغي أن نقدم قبل الشروع في الكلام عليها كلمات في الإشارة إلى بيان رتبة هذه المسألة وأنها لا ينبغي أن يخوض فيها إلا الأقلون الذين هم أعز من الكبريت الأحمر وأقل من الغراب الأعصم وإلى بيان أقل ما يكفي من الاعتقاد فيها لغير الأقلين وإلى بيان حقيقة مبدأ المنزلة المشار إليها وإلى بيان مصدرها ومحلها ومتعلقها وغير ذلك إلا أن الكلام في ذلك كله على سبيل الإشارة والاختصار والاقتصار لأن بسط الكلام فيها حتى تنجلي لكل ناظر تملأ الأسفار ويفني الأعمار ويشغل الليل والنهار .
فأقول اعلم أن هذه المسألة أحد من السيف تشق الأقدام وأدق من الشعر تزل الأقدام عند المسير عليها لأن فيها عقبات كؤد لا يقطعها بسهولة إلا محمد وأهل بيته سلام الله عليهم حتى أنهم نهو عن الكلام فيه وحذروا كل التحذير ، يروي الصدوق بسنده أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن القدر فقال ( بحر عميق فلا تلجه ثم سأله ثانية فقال عليه السلام طريق مظلم فلا تسلكه ثم سأله ثالثة فقال عليه السلام سر الله فلا تهتكه ) وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في القدر ( أن القدر سر من سر الله وحرز من حرز الله مرفوع من حجاب الله موضوع عن خلق الله مختوم بخاتم الله سابق في علم الله وضع الله العباد عن علمه ورفعه فوق شهادتهم ومبلغ عقولهم لأنه لا ينالونه بحقيقة الربانية ولا بعظمة النورانية ولا بعزة الوحدانية لأنه بحر زاخر موّاج خالص لله عز وجل عمقه ما بين السماء والأرض عرضه ما بين المشرق والمغرب أسود كالليل الدامس كثير الحيات والحيتان يعلو مرة ويسفل أخرى في قعره شمس تضيء لا ينبغي أن يطلع عليها إلا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه ونازعه في سلطانه وكشف عن سره وستره وباء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ، وإنما حذر عليه السلام عنه لأن العقل لا يدرك الاستواء فيه لأن ذلك فوق العقل ولا تعلم الطريقة المثلى فيه إلى بطور وراء العقل وهو الفؤاد المعبر عنه بالتوسم في قوله تعالى ((إن في ذلك لآيات للمتوسمين)) وبالوجود وبنور الله في قوله عليه السلام ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) نعم قد يوجد من يكون عنده ذلك النور ولا يعلم المنزلة ولقد وقفت على كثير من كلام العلماء الفحول من أهل العرفان وأصحاب الأنوار الشعشعانية كشيخنا الشيخ محمد بن أبي جمهور الأحسائي في المجلي وشيخنا الملا في الوافي وقرة العيون وسائر كتبه وغيرهما من العلماء الذين يشقون بمتشابه علومهم الشعر ويستخرجون بغوامض أفكارهم من لجج بحار المعاني والأسرار الدرر فإذا وصلوا إلى هذه المنزلة خبطوا خبط عشواء وتاهوا في حندسها تيه عمياء ولا يزدادون بالتعمق فيها إلا بعدا ولا يهتدون إليها رشدا لأن تلك الأنوار التي نظروا بها قد مزجوها بظلمة من علوم مبنية على قواعد غير مشيدة بنور الله وإنما هي من كلام بعض الحكماء ممن سقط إليه من الحق شيء خفا عليه مفصوله وموصوله فهيا له مبادئ وأسبابا رتبها بفكره ومن أقوال بعض العلماء ممن نال شيئا ناقصا فتممه من صدره وسطره ولم يعلموا أن الفكر والعقل وما حواه الصدر من العلم قاصرة عن ذلك إذ لا يدركه إلا ما كان منه ولا يعود إليه إلا ما برز عنه ولذا قال الصادق عليه السلام كما رواه الصدوق رضوان الله عليه في توحيده عنه عليه السلام ( لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما فيها الحق أوسع ما بين السماء والأرض التي فيها الحق لا يعلمها إلا العالم أو من علمها إياها العالم ) انتهى ، وإلى ذلك الإشارة بما رواه في البصائر عن الصادق عليه السلام ( إن حديثنا صعب مستصعب شريف ذكوان ذكي وعر لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن قيل فمن يحتمله قال عليه السلام من شئنا ) وفي رواية ( نحن نحتمله ) انتهى ، فأبان عليه السلام أن هذه المنزلة بين المنزلتين لا يعلمها أحد إلا بتعليم العالم وهو الإمام عليه السلام فلا يسلكها إلا الاقلون وهم المعلمون الذين نظروا بنور الله وكل من سواهم فيكفيه أن يعرف أن الله سبحانه لم يجبر العباد على الأفعال ولم يفوض إليهم الأمر بل كلف تخييرا ونهى تحذيرا فإذا اعتقد على سبيل الإجمال أنه تعالى يهمل العباد في أفعالهم ولم يجبرهم عليها كما قال الرضا عليه السلام ( إن الله لم يطع بإكراه ولم يعص بغلبة هو المالك لما ملَّكهم والقادر على ما أقدرهم عليه كان مؤديا لما يراد منه ولا يكلف الخوض في هذه اللجج الغامرة ولا معرفة المنزلة بين المنزلتين بالكنه لتعذر ذلك على كثير من الناس ، أما الأقلون المشار إليهم فعليهم ذلك لأنهم مرابطون على الثغر الذي تهجم منه جنود الشياطين على رعيتهم من المسلمين فإنهم إذا قبلوا منهم الرعية حققت أنوارهم جنود الشياطين فعليهم ذلك لتوقف الدفاع عنهم عليهم ولا يجوز لهم تركهم لأنهم أنعامهم كما قال الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى ((متاعا لكم ولأنعامكم)) وقال الباقر عليه السلام ( الناس كلهم بهائم إلا قليل من المؤمنين والمؤمن قليل ) وأما مصدرها فاعلم أن أول فائض من الإبداع الوجود وهو الموجود من حيث ربه لا من حيث نفسه والماهية وجدت تبيعا للوجود وهي الحيثية الثانية ، أما الوجود فهو الماء الذي به حيات كل شيء وهو أثر الرحمة قال تعالى ((وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه إليه الميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون* والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا)) فالرحمة هي النقطة التي هي السر الممقنع بالسر والرياح النفس الرحماني والألف الأولى وبعده السحاب المزجى وهو مذكور في هذه الآية في قوله تعالى ((يزجي سحابا)) ثم يؤلف بينه وهي الحروف قبل التأليف والسحاب الثقال المشية والإبداع وعالم ( كن ) والكاف المستديرة على نفسها والكلمة التي انزجر لها العمق الأكبر وهذه الأربعة هي مراتب الإبداع والمشيئة وعالم الأمر ، والماء المنزل هو الوجود والبلد الميت أرض الجرز والقابليات والماهيات والزيت المضيء والدوات الأولى والبلد الطيب الماهية الطيبة ((يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار)) ((والذي خبث)) من الماهيات لشدة أنيته لا يقبل الوجود ((إلا نكدا)) أي إلا ما جرى عليه من الكون لا ما يقربه من اختياره ولا تتوهم أن الماهيات لها وجود قبل الوجود لا في العلم ولا في الاعتبار ولا في الخارج وإلا لاستغنت عن الوجود لأنها إنما كانت شيئا بالوجود وشيئيته وهذا حكمها في كل مقام لها من الوجوب والجواز لا يقال إنها إنما أوجدها كما علمها وإلا لزم الجبر لأنا نقول لو كان كذلك لزم ثبوت شيئيتها قبل الوجود فيلزم قدمها لأنها غير موجودها فتعدد القدماء ويلزم أنها أعطته علمه بها كما قال بعض المتمشرقين فيكون محتاجا إليها في علمه بها وإنما أوجدها كما علمها على ما هي عليه مما يمكن لها لذاتها وما يمكن لها لذاتها إلا ما اقتضته من مشيته لها وما شائها إلا كما اقتضته من مشيته إذ لا شيئية لها إلا بمشيته وإنما اشتق الشيء من المشيئة كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة يوم الغدير قال ( إذ كان الشيء من مشيته فلا ثبوت لها ولا شيئية قبل الوجود ولم يشأ إلا ما علم ) إذ لا يمكن في المشيئة إلا ما علم فلا شيئية لغيره إلا بمشيته ، نعم الماهية هي شيئية الوجود من حيث نفسه لأنه لا شيئية له من حيث موجوده فافهم ، ولي كلام ذكرته في خطبة أنشأتها في عيد الأضحى فيه بيان حقيقة هذه المنزلة فتدبره تضفر بمرادك وهو قولي في الثناء عليه تعالى ( أنشأ ما أنشأ لا من شيء فيكون معه وأبدع ما أراد لا لشيء وإلا لما ابتدعه بل خلق الخلق على مستقرهم إذ خلقهم بدعوة سرهم فأعطاهم ما سألوه من حكمهم وفطرهم إذ شأن المختار اختيار شأن أمرهم ولو كان موجبا لجرى فعله بقسرهم فتعالى في غنى ذاته وعزة أفعاله وصفاته عن خيرهم وشرهم بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ) انتهى .
وقد تقدم مرارا الإشارة إلى ذلك خصوصا عند الكلام على قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( اللهم زدني فيك تحيرا ) ولما كانت الماهية لا وجود لها إلا بتبعية الوجود كانت مشيئة الله للوجود ولجميع كمالاته أولا وبالذات ، ومشيئته سبحانه للماهية ولجميع كمالاتها ثانيا وبالعرض فتكون مشيئة العبد للحسنة بالذات لأنها من كمالات الوجود من مشيئة الله لها بالذات لأنه تعالى شاء الوجود وكمالاته بالذات ومشيئة العبد للسيئة بالذات لأنها من كمالات الماهية من مشيئة لها بالعرض لأنه تعالى شاء الماهية وجميع كمالاتها بالعرض والماهية ضد عام للوجود وكل شيء من كمالاتها ضد عام لعكسه من كمالات الوجود وأما محلها فاعلم أنه لما فاض الوجود من كتم الجود انعكست عنه الماهية لأنها ظله وانفعاله عند فعل القادر ويعبر عن الوجود بالنار وعن الماهية بالزيت وعنه بالكلام وعنها بالمعنى وعنه بالماء وعنها بالأرض الميتة ومجموعمها الإنسان ، ولما كان الممكن لا غناء له عن المدد في حال وإلا لم يكن حال انقطاعه عن المدد شيئا وإليه الإشارة بقوله تعالى ((وما كنا عن الخلق غافلين)) وكان مدده من ثمرات أقواله وأفعاله وأحواله لأن الله سبحانه يوجد صفة الشيء بذلك الشيء وإلا لم يكن صفته بل هي شيء آخر وإليه الإشارة بقول علي عليه السلام ( وألقى في هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله ) ولما كان الإنسان مركبا من شيئين متضادين كل منهما طالب لكماله وغذائه ولا يكون إلى من جنسه وكان لكل منهما ميل وشهوة إلى ما طلب وكسب لذلك السبب تركبت فيه الشهوة المركبة إلا أن تركبها على سبيل التعاقب والبدل لأنها في الحقيقة شهوتان متضادان وللوجود وجه خاص به وباب يستعمله في مطالبه وهو العقل وللماهية وجه خاص بها وباب تستعمله في مطالبها وهو النفس الأمارة بالسوء يجمع منشأهما القلب فالعقل عن يمينه والنفس عن شماله وله أذنان وعلى كل حال منهما داعِ من الرحمن ، فعلى اليمين داعي العقل وهو ملك مؤيد يلقي إليه المعونة من الله على فعل ما طلب الوجود وندبه إليه من كمالاته الثابتة وذلك الملك صورة الرأس القائم الخاص بذلك الشخص من العقل الأول المنطبعة في المرآة اليمنى التي هي العقل من قلب ذلك الشخص ، وعلى الشمال داعي النفس وهو شيطان مقيّض يلقي إليه الخذلان بالله لا منه في تزيين فعل ما طلبت الماهية وندبها إليه من كمالاتها المجتثة التي لا قرار لها وذلك الشيطان صورة الرأس المنكوس الخاص بذلك الشخص من الجهل الأول المنطبعة في المرآة الشمال التي هي النفس الأمارة من قلب ذلك الشخص وأمد سبحانه الملك بجنود من مقتضيات الفضل والرحمة واللطف والإيقان وأمد سبحانه الشيطان بجنود من مقتضيات العدل والغضب والقهر والخذلان فالإنسان بين آمر وناه من نفسه وجعل سبحانه لعبد الآلة والصحة وهي التي يكون العبد بها متحركا مستطيعا للفعل مددا وإعانة على الطاعة لكنه عز وجل جعلهما صالحة للمعصية لأن ذلك الصلوح من تمام قابلية كون الطاعة طاعة إذ لو لم يصلحا للمعصية لم يقدر العبد عليها وإذا لم يقدر عليها كان مضطرا للطاعة فلا يكون مطيعا إذ الطاعة لا تتحقق حتى يقدر على المعصية وتركها ويفعل الطاعة مختارا ، والوجود والماهية متشابهان متضادتان كالشاخص وظله وكذلك شهوتاهما وإرادتاهما وباباهما ومطلوباهما ليتحقق الإختيار والصلوح في الآلة والصحة قال تعالى ((فجعلناه سميعا بصيرا)) وإلى تركب الداعي والشهوة في الإنسان المستلزمان للاختيار أشار الصادق عليه السلام فيما كتب على يدي عبد الملك بن أعين حين كتب عبد الرحيم القصير على يدي عبد الملك بن أعين كما رواه الصدوق رضوان الله عليه في توحيده فكتب صلى الله عليه وآله وسلم (سألت عن المعرفة ما هي فاعلم رحمك الله تعالى إن المعرفة من صنع الله عز وجل في القلب مخلوق والجحود صنع الله في القلب مخلوق وليس للعباد فيهما صنع ولهم فيهما الاختيار من الاكتساب فبشهوتهم الإيمان اختاروا المعرفة فكانوا بذلك مؤمنين عارفين وبشهوتهم الكفر اختاروا الجحود فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلالا وذلك بتوفيق الله لهم وخذلان من خذله الله فبالاختيار والإكتساب عاقبهم الله وأثابهم ، ثم قال عليه السلام بعد ذلك وسألت رحمك الله عن الاستطاعة للفعل فإن الله عز وجل خلق العبد وجعل له الآلة والصحة وهو القوة التي يكون العبد بها متحركا مستطيعا للفعل ولا متحرك إلا وهو يريد الفعل وهي صفة مضافة إلى الشهوة التي هي خلق الله عز وجل مركبة في الإنسان فإذا تحركت الشهوة في الإنسان اشتهى الشيء وأراده فمن ثَمَ قيل للإنسان مريد فإذا أراد الفعل وفعل كان مع الإستطاعة والحركة مستطيعا متحركا فمن ثم قيل للعبد مستطيع متحرك فإذا كان الإنسان ساكنا غير مريد للفعل وكان مع الآلة وهي القوة والصحة اللتان بهما تكون حركات الإنسان وفعله كان سكونه لعلة سكون الشهوة فقيل ساكن ووصف بالسكون فإذا اشتهى الإنسان وتحركت شهوته التي ركبت فيه اشتهى الفعل وتحركت بالقوة المركبة فيه واستعمل الآلة التي يفعل بها الفعل فيكون الفعل منه عندما تحرك واكتسبه فقيل فاعل ومتحرك ومكتسب ومستطيع أولا ترى أن جميع ذلك صفات يوصف بها الإنسان ) الحديث ، فافهم ما ألقي إليك وما تضمنه هذا الحديث الشريف فإن في ذلك تمام بيان الحقيقة بالحق وإن أردت زيادة البيان فعليك في رسالتنا التي وضعناها في هذا الشأن لشيخنا الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد أبي دندن الأحسائي ، وبرسالتنا التي كتبناها للشيخ عبدالله بن الشيخ مبارك القطيفي الجارودي فإنهما قد تكفلتا بطلبة الطالبين ورغبة الراغبين في الحق واليقين ، وقد ترك أشياء ينبغي أن أذكرها هنا اكتفاء بإيراد هذا الحديث لأنه تكفل بها فتدبره وإنما اكتفيت به لأني لو بينت ذلك طال به الكلام والحمد لله وحده .
وأما متعلقها فهو جميع ما في الأرض لقوله تعالى ((إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا)) وجميع الأعمال والأقوال والأحوال مما يتعلق به التكليف وجميع المعتقدات من مدركات العقول والخيالات والأفكار ومظاهرها وبرازخها وبالجملة كل ما يتعلق به التكليف وتفصيل ذلك يظهر للعارفين المراقبين العاملين ، واعلم أن لهذه أمثالا ذكر الله تعالى في كتابه على سبيل التلويح والتنبيه وخلق تلك الأمثال بالإنسان وفي العالم قال تعالى ((وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون)) وقال ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبن لهم أنه الحق)) وقال تعالى ((وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)) وتلك الأمثال فلا يمكن حصرها ولهذا قال الشاعر :
كل شيء فيه معنى كل شيء فتفطن واصرف الذهن إليّ
كثرة لا تتناهى عددا قد طوتها وحدة الواحد طيّ
ولكن منها كلام الإنسان ومنها الصورة في المرآة وغير ذلك مما لا يحصى وأظهر الأمثال هو الشمس والظل ولنمثل فيه لظهوره فنقول إن الشمس إن الشمس إذا أشرقت وقع نورها التي لا يخرج عن قبضتها على وجه الجدار وإن شئت قلت على يمينه فظهر بظهوره الظل عن خلف الجدار وإن شئت قلت عن شماله فاستنار وجه الجدار بنور الشمس وأظلم خلف الجدار بالظل وتلك الاستنارة من الشمس وإليها تعود إلى أنا لا تظهر إلا بالجدار إذ لولاه لم تظهر الاستضاءة وإن كانت موجودة عند الشمس وأولى بها من الجدار ، ألا ترى أنها إذا غربت تبعتها الاستنارة ، والظل بدا من الجدار وإليه يعود إلا أنه لا يظهر إلا بالشمس لا منها وإلا لعاد إليها لكنه لا يتحقق إلا بالشمس ألا ترى كيف تحركه وتصرفه وبتحركها يتحرك وإن لم يتحرك الجدار ، قال تعالى ((ثم جعلنا الشمس عليه دليلا)) فالجدار أولى بالظل لأنه منه ويعود إليه ، وبالشمس لا منها ولا إليها فالشمس الظاهر أعني القرص الذي تشعشعت عنه الأنوار مثل الوجود المطلق الذي هو عالم الأمر والإبداع والمشيئة والنور الظاهر على يمين الجدار هو الوجود ، والظل الظاهر على شمال الجدار هو الماهية ومجموعهما هو الإنسان وإن شئت قلت النور الظاهر على يمين الجدار مثال للحسنة والظل الظاهر على شمال الجدار مثال للسيئة ، وقد قلنا آنفا أنه لولا الجدار لم يظهر نور الشمس وإن كانت أولى به لأنه نورها ولولا الشمس لم يظهر ظل الجدار وإن كان أولى به من الشمس لأنه ظله ولذها قال تعالى في الحديث القدسي ( أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئات مني ) الحديث ، وهو كما تقول في المثال المذكور حرفا بحرف ، الشمس أولى بالنور الظاهر على الجدار والجدار أولى بالظل من الشمس وكما تقول إرادة الشمس أي إيجادها للنور الظاهر أولا وبالذات وللظل ثانيا وبالعرض لأن إيجادها للظل إنما هو تبع لإيجاد النور ، كذلك تقول إيجاد الله للحسنة أولا وبالذات وإيجاده للسيئة ثانيا وبالعرض لأن إيجاده سبحانه للمعصية إنما هو تبع لإيجاد الطاعة لأن إيجاد المعصية ثانيا من تمام قابلية الطاعة للإيجاد أولا وإلا لم تكن الطاعة طاعة ولأنها أنيتها كما أشير إليه كما فيما مر فلاحظ تفهم إنشاء الله تعالى ، ولاحظ رسالتينا المذكورتين تزدد بيانا والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ، ويأتي إنشاء الله تعالى زيادة بيان وإذ قد انتهينا إلى هنا فلنشرع في المقصود على سبيل الاختصار والاقتصار بين تلويح وتصريح فنقول قوله عليه السلام ( وخوضكم في القدر ) يشير إلى أنكم لم تسلكوا طريق الحق في القدر الذي هو المقام الثالث من مقامات عالم الأمر والنبي هو وضع الحدود والهندسة والتقدير في أفعال العباد حيث لم تستضيئوا بنور العلم ولم تلجأوا إلى ركن وثيق ، وقوله عليه السلام ومقالة من يقول منكم بالجبر يعني به أصحاب أبي الحسن الأشعري ومن حذى حذوهم فإنهم ذهبوا إلى أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله المتعال عن الشريك في الخلق والإيجاد يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا علة لفعله ولا راد لقضائه لا يسال عما يفعل وهم يسألون ولا مجال للعقل في تحسين الأفعال وتقبيحها بالنسبة إليه بل بحسن صدورها عنه تعالى والأسباب التي ارتبط بها وجود الأشياء بحسب الظاهر ليست أسبابا حقيقة ولا مدخل لها في وجودها لكنه تعالى أجرى عادته بأنه يوجد تلك الأسباب أولا ثم يوجد المسببات عقبها فكل من الأسباب والمسببات صادرة عنه ابتداءا كذا قالوه وأنت إذا تأملت كلامهم وجدته على ما فيه من التناقض مثل قولهم أسباب ولا مدخل لها فإنها إذا كانت أسبابا ولو ظاهرا كان لها مدخل وإلا فلا ورأيته ليس مغترفا من علم وإنما هو تمويه وفتنة وزيغ طلبا للإستغناء عن الحق وأهله ((فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة)) وابتغاء تأويله مع ما فيه لزوم نسبة الظلم إلى الله تعالى الذي نزهة نفسه عنه وتمدح بنفيه عنه ومن رد قوله والعمل بقولهم حيث يقول ((وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آبائنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء)) وقال ((إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون)) ويأتي إنشاء الله ما يبرد القليل ويشفي العليل ، وقوله عليه السلام ( ومن يقول بالتفويض ) يشير به إلى أصحاب واصل بن عطرة من المعتزلة ومن حذا حذوهم ممن يقول بالتفويض فإنهم ذهبوا إلى أن أفعال العباد مخلوقة بقدرتهم واختيارهم ليس لله في ذلك مدخل فأشركوا من حيث لا يعلمون ، ولقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في شأن المفوضة وهم القدرية قال عليه السلام ( إن أرواح القدرية تعرض على النار غدوا وعشيا حتى تقوم الساعة فإذا قامت الساعة عذبوا مع أهل النار بأنواع العذاب فيقولون يا ربنا عذبتنا خاصة وتعذبنا عامة فيرد عليهم ذوقوا مسّ سَقَر إنا كل شيء خلقناه بقدر ) انتهى ، مع ما يلزم في ذلك من تكذيب الآيات مثل ((وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)) وإبطال الروايات مثل قول الرضا عليه السلام ( إن الله لم يطع بإكراه ولم يعص بغلبة ولم يهمل العباد في ملكه هو المالك لما ملكهم والقادر على ما أقدرهم عليه ) الحديث ، ولقد رأيت كثيرا مما يقول بالمنزلة بين المنزلتين ويكفر أهل الجبر ولا يعرف مرادهم وإن كانوا مخطئين ويكفر أهل التفويض وهو منهم وإن كانوا كاذبين حيث أن من رأيت يقول إن الله تعالى ليس له في أفعال عباده إلا أمر والنهي القوليان المعروفان عند العامة وأنه خلق لهم الآلة والصحة الصالحتين ثم رفع يده عنهم وهذا في الحقيقة نفس التفويض وهل هذا إلا مثل من أمره سيده بأن خذ هذه المائة الدينار وامض يوم الخميس واشترِ من سوق بغداد من فلان الشيء الفلاني ثم مضى العبد عن سيده فلو كان كذلك لوقع الوصل في الحال الأولى والفصل في الثانية ولكان لله تعالى حالتين وَلَما كان مالكا لِما ملَّكهم ولخرج عن يده ما في قبضته وَلَما كان مع كل شيء لأن الحالة الثانية غير الأولى وَلَما صحّ ((الرحمن على العرش استوى)) يعني من كل شيء على السواء إلى غير ذلك ولمّا لم يدركوا غير هذا القول والجبر وعرفوا بطلانهما قالوا إن التفويض هو القول بالاستغلال وأما إذا قلنا أنه خلق الآلة والصحة وعرّفنا النجدين وأمر ونهي فهذا هو المنزلة بين المنزلتين ولا يعلمون أن ذلك نفس التفويض وإنما المنزلة بين المنزلتين هو أن نقول أنه خلق بإرادتنا المستخدمة لآلاتنا وما يترتب عليه من نحو العمل أفعالنا إلا أن خلقه للطاعة بالذات وللمعصية بالعرض فلو خلقنا لا بإرادته كان تفويضا ولو خلق لا بإرادتنا كان جبرا ولو خلقه وخلقنا معه كل مستغل بإرادته كما قال بعضهم إن كلا القدرتين متعلقتان بالفعل الواحد أولا وجوّز اجتماع علتين تامتين على معلول واحد لكنا مستغنين في إيجادنا فنكون مستغنين في وجودنا هذا هو الشرك الصريح ، ولو خلق المعصية بالذات كما تقول الجبرية لم يعرف الخالق من المخلوق لأن الله سبحانه لم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه للدلالة عليه ولو خلق الطاعة بالعرض كما يلزم المفوضة لكان مراده غير الطاعة والمعصية ، فإذا لم يكن غيرهما كان مراده لم يكن قط فوجب ما أوجبنا وسقط ما اسقطنا شعر :
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا وإن لم يكن فهم فيأخذه عنا
فما ثمَّ إلا ما تلوناه فاعتمد عليه وكن في الحال في كما كنا
الأبيات ، فكأني بقوم إذا سمعوا ما أقول وفهموا معناه قالوا آمنا وكأني بآخرين إذا سمعوا تاهت خواطرهم فيه ولم يفهموه وإن استحسنوه شعر :
قد يطرب القمري أسماعنا ونحن لا نفه ألحانه
وكأني بآخرين إذا سمعوا كلامي هذا وأمثاله في كثير ما مر قالوا فيه ارتفاع لأن فيهم انخفاضا أو قالوا هذيان ووزونه بموازينهم المعوجة لأنهم لا يحسنون السباحة وغرقوا في تلك اللجة ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ((بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون)) وإنما كتبت هذه الكلمات التي ليست من ظاهر المقصود لأني أتيت بها تنبيها للمتسرع قبل التأمل وترهيبا للمتورع عن التحمل فافهم ، أما حصر المفيد رضي الله عنه التفويض في معنى قوله (أن التفويض هو قول برفع النظر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم مع ما شاءؤا من الأعمال وهذا قول الزنادقة وأصحاب المباحات ) انتهى ، فإن أراد معنى اصطلح عليه فلا مشاحة فيه وإن أراد أنه هو المعنى المراد فدون ذلك خرط القتاد أما سمع ما في رواية حريزوا بن مسكان في التعريض بأصحاب التفويض عن أبي عبدالله عليه السلام أنه لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبع بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء واذن وكتاب وأجل فمن زعم أنه يقدر على نقص واحدة فقد كفر ، وعن ابي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام قال ( لا يكون شيء في السماوات ولا في الأرض إلا بسبع بقضاء وقدر وإرادة ومشيئة وكتاب وأجل واذن فمن زعم غير هذا فقد كذب على الله أو رد على الله ) انتهى، وقال الصادق عليه السلام ( ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه ومن زعم أن المعاصي بغير قوة الله فقد كذب على الله ومن كذب على الله أدخله الله النار ) انتهى ، ولا يقال أن هذا يلزم منه الجبر لأنا قد بينا مرارا في أجوبتنا في هذه المسائل المتقدمة وسيأتي أن هذا هو المنزلة بين المنزلتين وإنما قال أمير المؤمنين عليه السلام ( طريق مظلم فلا تسلكه ) لأنه عليه السلام يعلم أنه الصراط المستقيم أحدّ من السيف وأدق من الشعر فإن أمكنك على سلوكه بمصباحنا وإلا فلا تكذب بما لم تحط به علما ولما يأتك تأويله وقوله عليه السلام ( وتفرقكم في ذلك وتقاتعكم .. .الخ ، اعلم أن غير أهل الحق من القائلين بالجبر والتفويض لما كانوا أصحاب الدولة والمملكة ولم يسلموا ولم ينقادوا لأهل الحق عليهم السلام بل استكبروا وعتوا عتوا كبيرا تلبسوا في كل صورة حتى انخرط بهم الشيطان في وادي الخذلان إلى التلبيس بالعلم وخاضوا فيه بغير مصباح هدى فخبطوا في الظلمات وأسسوا الشبهات لأن كل مفتون ملقن حجته ((يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون)) ولما كان أتباع أهل الحق ضعفاء ((يخافون أن يتخطفهم الناس)) عاشروهم وجلسوا معهم وتكلموا معهم في ذلك دخل على بعضهم من الضعفاء تلك الشبهات لقرب الشبهة من ذلك اللطخ الذي ترى فيهم في الأظلة فقال منهم بالجبر وقال منهم بالتفويض وذهبوا مثلهم كل مذهب فنصبوا لهم ساداتهم عليه السلام علامات عند شبهات الطرق للطريق المستقيم وجعلوا تلك العلامات مرموزة المراد مطلوبة المقصود لئلا يُطّلع عليها إلا من شاءوا كما قالوا عليهم السلام وجعلوا لها صورة ظاهرة تغني من اقتصر عليها إذ حسن القول ما لم يضمر خلافه عن قصد له إذا لم يقدر على المعنى المستور كاف في المأمور به لأنه حين إذن هو المقدور وإنما ناسبت الشبهة لمباديها فيهم وأشبهت عليهم لأن داعي الحق يوحي إلى عقل المرء فيميل العقل بشهوة الوجود إلى أحد نهاياته ومطالبه مما له أو لأحد مراكبه ويرى المرء ميلا من نفسه إلى ذلك الشيء الذي يطلبه وداعي الباطل يوسوس إلى نفس المرء الأمارة فتميل النفس إلى شهوة الماهية إلى أحد نهاياتها ومطالبها مما لها أو لأحد مراكبها ويرى المرء ميلا في نفسه إلى ذلك الشيء الذي يطلبه وإن كان الداعي الأول هو الملك والثاني هو الشيطان لأنه لا يرى شيئا من خارج فيطيع الملك ويعصي الشيطان وإنما يكون ميله إلى أحد مطلوبيه فلما كان ميل النفس مشتبها من ميل العقل ومطلوب النفس مشتبها بمطلوب العقل وكل من المطلوبين خلق الله منه كفاية طالبه بحيث لا يجوز أن يطلب العقل من مطالبه شيئا لا يجده إلا في مطالب النفس أو تطلب النفس شيئا من مطالبها لا تجده إلى في مطالب العقل فلا يكون ممكّنا فلا يكون مختارا وكان أيضا الآلة والصحة صالحتين لأن يستعملها العقل في مطالبه والنفس في مآربها فلما كان كذلك اشتبه الداعيان اللذان هما من المرء ولا يعلم أيهما داعي العقل فيتبعه أو داعي النفس فيجتنبه فأكمل الله عليه الحجة بحجة منه كاملة وهي الأنبياء والأوصياء عليهم السلام الأقوياء الذين لا يلتبس عليهم داعي الرحمن وداعي الشيطان الذين عصمهم بتسديده وأيدهم بتأييده واختارهم لذلك قال الله تعالى ((الله أعلم حيث يجعل رسالته)) فوضعوا عليهم السلام كل شيء دليلا مطابقا وشاهدا ناطقا لئلا يضلوا فمن لم يأخذ عنهم هلك من حيث لا يعلم وإليهم الإشارة لقول الصادق عليه السلام ( هيهات فات قوم وماتوا قبل أن يهتدوا وضنوا أنهم آمنوا وأشركوا من حيث لا يعلمون ) ولما كانت الشبهة أقرب إلى الأفهام الكدرة تمكنت في قلوب أهلها وأسسوا عليها اعتقاداتهم وأدخلوا ضعفاء الشيعة فيها وهم الذين ليس لهم قلوب يعقلون بها فمهد عليه السلام لضعفاء شيعته ولعلمائهم دليلا إلزاميا لهم إلى ظاهر على طريق المجادلة بالتي هي أحسن ليشد به قلوب المؤمنين ويدفع به شبهة المعاندين فقال عليه السلام ( اعلموا رحمكم الله تعالى إنا نظرنا في الآثار وكثرة ما جاءت به الأخبار فوجدناها عند جميع من ينتحل الإسلام ممن يعقل عن الله عز وجل لا تخلوا من معنيين إما حق فيتبع وإما باطل فيجتنب وقد أجمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم أن القرآن لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتاب وتحقيقه مصيبون مهتدون وذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) فأخبر أن جميع ما اجتمعت عليه الأمة كلها حق هذا إذا لم يخالف بعضها بعضا والقرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه فإذا شهد القرآن بتصديق خبر وتحقيقه وأنكر الخبر طائفة من الأمة لزمهم الإقرار به ضرورة حيث اجتمعت في الأصل على تصديق الكتاب فإن هي جحدت وأنكرت لزمها الخروج من الملة .
أقول : لما كان منشأ اختلاف من اختلف من الشيعة والمحبين إنما هو بالإصغاء إلى أقوال العامة وخوضهم في ذلك لإتباع الأهواء فأخذت بهم طرفي الإفراط والتفريط عن الإستواء لأن الإستواء الذي هو المنزلة بين المنزلتين لا يظفر بها من نحو ذاته إلى من اشهده الله خلق السماوات والارض وخلق نفسه فإن ذلك على حكم الإستواء والمنزلة بين المنزلتين أو من علمه إياها العالم ، أراد عليه السلام أن يمهد قاعدة من مقدمات يقينيا مسلمات عند القائل بالجبر والتفويض الذين هما الإفراط والتفريط ليضطروا إلى الإقرار بالحق وإلى تركه بعد ظهوره بلا خفاء عند كل واحد وفي الحالين يظهر لقائلين من الشيعة فساد الطرفين وسلك عليه السلام في التقرير ظاهرا طريق المجادلة بالتي هي أحسن ولم يسلك طريق الحكمة لأنه ذلك لا يذوقه إلا المتوسمين ولا طريق الموعظة الحسنة لأن ذلك لا يمسه إلا المطهرون الذين يطلبون العلم زادا ليوم المعاد ، فقال عليه السلام ( إن نظرنا في الآثار .. .الخ ) ، قوله عليه السلام ( فوجدنا عند جميع من ينتحل الإسلام لأن غيرهم منهم من ينفي التكليف فلا يرى حقا ولا باطلا وكذلك من لا يعقل ) وقوله عليه السلام ( لا تخلوا من معنيين إما حق فيتبع أو باطل فيجتنب ) يعني إما حق فهو حق أن يتبع أو باطل فيحق أن يجتنب لا أن كل حق متبع أو كل باطل مجتنب فإن الواقع أن من الحق ما هو منبوذ ومجتنب ومن الباطل ما هو متبع محمول على الأعناق ، وقوله عليه السلام ( وقد اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم )) قرر فيه مقدمة مسلمة عند الخصم لأنها على النحو الذي يعتمدونه في مسألة الاجماع الضروري وإن كنا نعتمده أيضا إلا أن اعتمادنا عليه من جهة اعتقادنا أن زمان التكليف لا يخلو من حجة لله معصوم مفترض الطاعة لا تكون واقعة في الأرض إلا ولله فيها حكم يظهر على يدي هذا الحجة وهو الواسطة بين الله وبين خلقه فاعتمادنا على اجماع الأمة لدخول قوله عليه السلام فيهم فلو انفرد عنهم كان هو الحجة دونهم فإن قيل فما الفائدة في الإجماع حينئذ لدخول قوله عليه السلام من جملة أقوالهم وذلك بعد استقرار المذاهب فيكون الخلاف حينئذ خلاف الإجماع وهو غير مسموع وأما عندهم فاجتماع أصحاب الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى)) الآية ، رتب سبحانه الذنب والوعيد على اتباع غير سبيل المؤمنين وذلك يتحقق بمخالفتهم قولا وفعلا فيكون اتباعهم في ذلك واجبا وهو معنى حجية الإجماع ولقوله تعالى ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)) وقبول الشهادة منهم المفهوم من الآية دليل على كونهم عدولا ولو حال اجتماعهم ويستحيل اجتماعهم على الخطأ ولقوله تعالى ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)) فدل ذلك على أمرهم بكل معروف ونهيهم عن كل منكر لأن الألف واللام للاستغراق ولأنهم لو أمروا ببعض ونهوا عن بعض لم يتحقق الوصف ولم يكونوا خير أمة فإن قيل إن منهم من لا يكون كذلك قلنا في حال الافتراق نعم ! أما في حالة الإجتماع على أمر واحد فلا وإلا لم يكن خير أمة لأنهم حينئذ متفقون على المنكر وهذا خلف فإذا ثبت ذلك كان اجتماعهم حجة وهو ما نريد ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) وهذا الحديث وإن لم يكن متواترا لفظا لكنه متواتر معنى وإن اختلفت ألفاظه مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( لا تجتمع أمتي على الخطأ ) انتهى ، ( سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها ) انتهى ، ( يد الله على الجماعة ) انتهى ، ( لم يكن الله ليجمع أمتي على ضلالة ) وروي ( ولا على خطأ ) انتهى ، ( عليكم بالسواد الأعظم ) وأمثال ذلك والمتواتر بالمعنى يفيد العلم المانع من النقيض ، ولا نريد من الحجية إلا ذلك ويستحيل عادة أن يجتمع هذا الخلق الكثير والجم الغفير على الخطأ ولم يكن من أحد منهم نكير وهذا الاجتماع بهذه المثابة لا يكون إلا عن دلالة وقد كشف عنها ذلك الإجماع ، فخلافه خلاف للدلالة فيكون الخلاف خطأ لأنه لا عن دلالة وهذا معنى حجية الإجماع وكلامهم في الإجماع نقول به أيضا لا من جهة الإجتماع بل من دخول المعصوم عليه السلام فيهم لا يقال أن الاجتماع من الكل يستحيل وقوع الخطأ عنه عادة وإن لم يكن الحجة فيهم لأنا نقول لو لم يكن فيهم استحالة الصواب بل الوجود لأنه العلة في ذلك كما دلت عليه النصوص منهم مثل ما رواه أحمد بن حمبل في مسنده قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت ذهبوا وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض ) ورواه أيضا صدر الأئمة موفق بن أحمد المالكي وغير ذلك ، وبالجملة فلا فائدة هنا للمناقشة لحصول الاتفاق من المسلمين على صحة هذا الإجماع وهو اجتماع جميع من ينتحل الإسلام قاطبة وحجيته منا ومنهم لما مر فإذا حصل ذلك الاجتماع على أمر كان صوابا لا شك فيه عند الكل ، وقوله عليه السلام ( إن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق ) يعني أنهم اجتمعوا لا اختلاف بينهم على ذلك عند جميع أهل فرق الإسلام على اختلاف مذاهبهم اتفقوا على حقية القرآن ثم قال عليه السلام وهم في حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتاب وتحقيقه يعني أنهم في حال اجتماع مقرون بتصديقه وإلا لم يكن اجتماع لأنهم مختلفون في كثير من تأويل كثير من آياته ولكنهم حال الإجتماع مقرون بصحة ما دل عليه إذا اجتمعوا على دلالته على ذلك الشيء فإن قلت قد يجتمعون على دلالته على شيء ولكن تلك الدلالة بالنسبة إليهم مختلفة ، فمنهم من دل الكتاب عنده على ذلك الشيء علما ويقينا ومنهم من دل عنده على ذلك الشيء اعتقادا وهو لا يمنع من النقيض في نفس الأمر وإن امتنع عند المعتقد ومنهم من دل عنده من باب الراجحية وإن جوز النقيض فكيف يمكن الاجتماع على الإقرار بتصديق الكتاب وتحقيقه وإنما تصديقه في دلالته فإذا اختلفوا فيها كيف يمكن الاجتماع في الاختلاف قلت مراده عليه السلام أنهم أجمعوا على أن القرآن حق وأن ما دل عليه صدق لا يحتمل فيه الباطل ولا الكذب ((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)) وإنما اختلف من اختلف في أنه هل يدل على هذا الشيء أم لا إذ لا ينكر أحد من المسلمين صحة ما دل عليه حتى أنك لا تجد قائلا يقول إن هذا الشيء يدل عليه الكتاب وهو باطل وإنما هو إذا أراد بطلان ذلك الشيء أنكر الدلالة وتأول الكتاب وغيره ، وأما إذا أقرّ بالدلالة فلا سواء كانت تلك الدلالة علما أو اعتقادا أو رجحانا إذا لم يبلغ أن النقيض المتساوي لتعين المصير عليه إلى تلك الدلالة ويتحول الاعتقاد والرجحان علما بعد العلم بالاتفاق فلا تغفل قوله عليه السلام فأخبر أن جميع ما اجتمعت عليه الأمة كلها حق هذا إذا لم يخالف بعضها بعضا يريد أن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بذلك كما مر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا تجتمع أمتي على ضلالة ونبه بقوله هذا إذا لم يخالف بعضها بعضا على جواب اعتراض يستشعره الخصم للإلزام بإمامة الأول الجماع الصحابة الذي هم أهل الحق والعقد من أمته صلى الله عليه وآله وسلم ، يعني أن بعض الأمة الذين هم أهل الحق والعقد مخالفون لهذه الدعوى كعلي بن ابي طالب عليه السلام وسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وأضرابهم الذين هم خواص الصحابة ولا سيما علي بن أبي طالب الذي قال صلى الله عليه وآله وسلم فيه في المتفق عليه عند الرواة من الفريقين قال صلى الله عليه وآله وسلم ( الحق مع علي وعلي مع الحق يدور حيثما دار ) ومثله كثير فإذا خالف أحدا كان الحق معه بحذافيره بنص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتفق عليه فسقطت الدعوى وبطل الاستدلال ، وقوله عليه السلام ( فإذا شهد القرآن بتصديق خبر وتحقيقه .. .الخ ) يريد به أنه إذا دل على ما دل عليه الخبر بأي دلالة كانت وأنكر الخبر طائفة كانوا أقروا بدلالته على ما دل عليه الخبر كذلك لزمهم الإقرار بما دل عليه الخبر ضرورة لإقرارهم بما يوجب ذلك ضرورة وهو اجتماعهم في الأصل على تصديق الكتاب ثم فرع عليه السلام على ذلك حكم منكر ذلك بعد ذلك البيان فقال عليه السلام فإن هي جحدت وأنكرت لزمها الخروج من الملة أي ملة الإسلام حيث أنكرت ما علم من الدين ضرورة فإن قلت هذا وأمثاله مما ورد عن آبائه عليهم السلام يدل على أن صحة الحديث وفساده إنما يعلم بالعرض على الكتاب فإذا شهد الكتاب بتصديقه وجب قبوله وإلا رد ويرد عليكم شيئان أحدهما أن احتجاجات أئمتكم عليهم السلام في الرد على مخالفيهم في ترك القول بالحجة من الله عليه السلام وقولهم كفانا كتاب الله وبقاء التكليف لأن فيه جميع ما يحتاج إليه الخلق من أمور دينهم ودنياهم ، قال تعالى (0 وكل شيء أحصيناه في كتاب مبين)) وهو الكتاب وإن إلزاماتهم عليه السلام لهم بوجوب القول بالحجة هو أن الكتاب صامت يحتاج إلى ناطق به عن الله تعالى لأنه يحتمل وجوه كثيرة لا تنضبط حتى أن الثنوي يستدل به والدهري والمجسم وغير ذلك والمحق والمبطل أصولا وفرعا وما كان هذا حاله لا يجوز أن يكون حجة الله على خلقه لأنه بنفسه من دون ناطق به لا يقيم حجة ولا يدفع شبهة فلا بد من إمام ناطق به يبين محكمه من متشابهه ومجمله من مبينه وناسخه من منسوخه وينقطع الخصم بهذا لأن الكتاب الناطق هو المبيّن للكتاب الصامت حتى أن الناطق ليؤول الكتاب ويصرفه في مواضع عن ظاهره إلى ما يخالف الظاهر بل إلى ما لا يجوز في اللغة ولا في العقول ويخبر بنسخ آية وبثبوت حكم آية نسخت تلاوتها ويجب منه قبول ذلك كله لأنه معصوم عن الخطأ والجهل لأحكام الله وقد قامت الأدلة القاطعة على ذلك وشهدت له المعجزات الخارقة فتكون على هذا تتوقف على وعرفة صحة دلالة الكتاب الصامت على قوله لأنه هو الدليل بها فلو توقفت معرفة صحة دلالة الخبر على الكتاب كان دورا ظاهرا وثانيهما أن الأخبار النبي والأئمة صلوات الله عليهم متظافرة متواترة المعنى على أن من قال في القرآن برأيه ((فليتبوأ مقعده من النار)) فإذا كان المعنى المستفاد من القرآن لا بد أن يكون مسموعا من الأخبار فكيف تكون صحة الأخبار إنما تحصل بشهادة الكتاب لها وقد قلنا أن شهادته مستفادة منها وهذا خلف وهو كالأول في دوره قلت قد أجيب عن ذلك كله بأجوبة يطول الكلام بإيرادها ، وملخص بعضها أن القرآن منه ما يعرف من اللغة بحيث لا يحتاج في فهمه إلى سماع ، مثل ((ولا تقتلوا النفس التي حرم الله)) ومثل ((فاعلم أنه لا إله إلا الله)) فلو ورد ما يدل على إباحة قتل النفس المحرمة بغير حق علم أنه باطل وما يدل على إلهي كذلك ومنه مجمل يحتاج إلى تبيينه وتفصيله مثل قوله تعالى ((أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)) يحتاج إلى بيان عدد الركعات وأحكامه ومقدار النصاب ووقته وغير ذلك فهذا لا يعرض عليه الخبر ولا يشهد بإجماله بتصديق الخبر نعم الأمر بالصلاة ووجوبها ووجوب الزكاة مثلا من حيث الفرض يعرض عليه ويشهد بالتصديق إلى غير ذلك من النظائر ، وهنا وجه وهو أعجبها لا يكاد يهتدي إليه ولا إلى الاستدلال به إلا الأقلون وهو أن من القرآن حروفا جامعة لبست صورة الآحاد وانطوت على ما لا يكاد يتناهى من الأفراد قد عرفت من حيث جزئيتها من اللغة بحيث لا يجهلها أحد مثل قوله تعالى ((إنما هو إله واحد)) ومثل ((فاعلم أنه لا إله إلا الله)) ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم ( ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتدبرها ) فلو كانت مما يتوقف فهما على السماع لما ذم من لم يتدبرها فإن كل من عرف اللغة العربية أدنى معرفة عرف أن مفادها إثبات الوحدة لله ونفي الكثرة ولم تعرف تلك الحروف من حيث كليتها في بادئ الرأي فإذا نظر فيها أولئك الأقلون وهم الذين إليهم النظر لا إلى غيرهم فإن من سواهم رعاياهم وأنعامهم عارفوا كليتها فلو ورد خبر مثلا دل على قدم الكلام بمعنى أنه غير محدث ولا مصنوع وعرضه أولئك الأقلون عرفوا أنه إن لم يكن محدثا بمعنى المصنوع وتعددت الآلهة وكذلك لو ورد خبر بقدم المشيئة كذلك ونظائر هذا الحرف في القرآن كثير وهو المشار إليه في أمرهم عليهم السلام بالعرض على السنة مثل ( لا تنقض اليقين بالشك أبدا ) ومثل ( إلا بيقين مثله ) فإذا ورد خبر يدل على نقض اليقين بالشك في غير ما استثنى من الثلاث المسائل البلل المشتبه وغسالة الحمام وغيبة الحيوان أو ورد خبران متعارضان أحدهما مطابق والآخر مفارق فما شهدت له السنة من مثل لا تنقض اليقين بالشك ومثل الناس في سعة ما لم يعلموا إلى غير ذلك وهو كثير في الأصول والفروع فهو حق وإلا فباطل .



433728
جميع الحقوق محفوظه 2010